7.1.10

الجدار الفولاذي والسيادة المنتهكة


الجدار الفولاذي والسيادة المنتهكة
كتبهامحمد السيسى ، في 4 يناير 2010 الساعة: 08:37 ص

بقلم / محمد السيسى المحامى

الأمين العام لنقابة المحامين بـ 6 أكتوبر




أعلنت إذاعة العدو الإسرائيلي إنهتم الانتهاء من المرحلة الأولى من إنشاء الجدار الفولاذي بين الحدود المصرية وقطاعغزة على طول الشريط الحدودي ، وتم تركيب وغرس مواسير المياه منساحل البحر المتوسط حتى منطقة البراهمة، وبناء غرف للمضخات على مسافات قريبة.
وأكدت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية الخبر ،ثم تتابع من وكالات الأنباء الدولية، حتى أكده في النهاية نائب وزيرة الخارجية الأمريكية وهو يتنصل من مسؤولية أمريكا عن الجدار،ملقياً تبعة اتخاذ القرار في شأنه على مصر وحدها..
مصر تنشر مواسير تضخ مياه البحرقبالة "الجدار الفولاذي" لإغراق من يحاول حفر نفقٍ
وقد كشفت مصادرُ مطلعةٌ عنجزءٍ من خبايا المشروع الذي تقيمه مصر على حدودها مع قطاع غزة، والتي تشير إلى وجود "بريما" للحفر يتراوح طولها بين 7 - 8 أمتار لعمل ثقبٍ في الأرض بشكلٍ لولبيٍّ، ثمتقوم رافعة بإنزال ماسورة مثقبة باتجاه الجانب الفلسطيني بعمق 20 - 30مترًا.
ويتولَّى العملَ عمالٌ مصريون يتبعون شركة "المقاولون العرب"، بالإضافة إلىوجود أجانب بسيارات "جي إم سي" في المكان.
ووفقًا لمصادرَ مطلعةً فإنماسورةً رئيسيةً ضخمةً تمتد من البحر غربًا بطول عشرة كيلومترات باتجاه الشرق؛يتفرَّع منها مواسير في باطن الأرض مثقبة باتجاه الجانب الفلسطيني؛ يفصل بينالماسورة والأخرى 30 أو 40 مترًا؛ حيث تضخ المياه في الماسورة الرئيسية من البحرمباشرة ثم إلى المواسير المثقبة الفرعية في باطن الأرض، باتجاه الجانبالفلسطيني لإحداث تصدُّعات وانهيارات تؤثر فيعمل الأنفاق على طول الحدود.
وخلف شبكةالمواسير هذه يتمدَّد في باطن الأرض جدرانٌ فولاذيةٌ بعمق 30 - 35 مترًا في باطنالأرض، وعلاوة على وظيفة هذا الجدار في كبح جماح الأنفاق إلى جانب أنابيب المياه،فإنه يحافظ على التربة باتجاه الجانب المصري وعلى تماسكها، في حين تكون الأضرارالبيئية والانهيارات في الجانب الفلسطيني في الجهة الأمامية لهذه الجدران.


بيان لعلماء الأزهر يحرم بناء الجدار الفولاذي
وقد أدان علماء الأزهر الشريف قرارالحكومة المصرية بناء الجدار الفولاذي ، مؤكدين أن بناء هذاالجدار حرامٌ شرعًا وقانونًا وإنسانيًّا؛ لما يهدف إليه من حصار الأشقاء في قطاعغزة وسدِّ كل المنافذ الشعبية للضغط عليه وإذلاله في وجه الأجندة الصهيو - أمريكية،وإعطاء الشرعية للعدو الصهيوني.
وشدَّد العلماء على مطالبة الحكومة المصريةبوقف بناء الجدار ودعوا إلى ضرورة دعم جهاد المقاومةِ الفلسطينية ماديًّا ومعنويًّا وإعلاميًّا، وتثبيت قوتها، وتسهيل التواصل الرسمي والشعبي مع المقاومة بفتح معبر رفح للأشقاء في غزة؛ باعتبار أنه الرئة الوحيدة التييتنفسون من خلالها كواجب شرعي وقانوني وإنساني، وحتى لا يظلَّ وحيدًا في ميْدانِالمعركة.
وأكد العلماء أن حماية النظام المصري وشعبهللأشقاء في قطاع غزة حمايةٌ للأمن القومي المصري وسيادته، ودليل على ترابط الأمةوتماسكها أمام العدو الصهيوني، مطالبين النظام المصري بتذكر قول اللهتعالى:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "المسلمأخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله"؛ أي لا يتخلَّى عنه، وقول الرسول عليهالصلاة والسلام "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا".
وبعد بيان علماء الأزهر الذي جاء متوافقا مع فتوى فضيلة الدكتور يوسف القرضاوى بتحريم بناء الجدار فوجئنا بالموقف المخزي لشيخ الأزهر ،فلم يكفه مصافحته لبيريز في الأمم المتحدة وإذا به يصدر بيانا حكوميا يزعم فيه شرعية بناء الجدار ليؤكد انحدار القيمة الأدبية والعلمية والخلقية للأزهر وبعده عن الدفاع عن قضية الأمة فلسطين والأقصى .
إن خنق مليون ونصف فلسطيني أمر مرفوض دينيا وقوميا ووطنيا وأخلاقيا ، ولا يمكن أن يقبل الشعب الفلسطيني في غزة على أنفسهم بالموت والهوان وهم يرون الجدار الفولاذي يدق الأرض من حولهم ويقطع شرايين الحياة الواصلة إلى قلوبهم ، وتلويث الآبار والتربة والحياة البيئية بالمياه المالحة ، فلن يسمح الفلسطينيون لأنفسهم في غزة بالخنق ولا بالذل والاضطهاد .
جدران الفولاذ لن تتمكن من احتواء روح البقاء لشعب غزة:
الجدار الفولاذي الأمريكي الصهيوني والذي يتم بناؤه بالتعاون والتنسيق ما بين المخابرات الأمريكية والفرنسية والإسرائيلية والمصرية، هو جدار للموت البطيء والحصار الظالم، وهو جريمة حرب جديدة تضاف إلى سجل جرائم النظام المصري المتواطئ مع الصهاينة والأمريكان.

فقد أكدت دبلوماسية أميركية سابقة وهي الكولونيل الأمريكية المتقاعدة - آن رايتلا – أن بناء الجدار جاء بتحريض من الحكومة الصهيونية ، دفع إدارة أوباما لتكليف سلاح المهندسين بالجيش الأمريكي بالقيام بتصميم الجدار الفولاذي تحت الأرض ، أسفل الحدود بين مصر وغزة مارس/آذار 2009

وقدمت الولايات المتحدة لحكومة مصر 32 مليون دولاراً لإنشاء منظومة للمراقبة الإلكترونية وغيرها من العتاد والمعدات الأمنية، لمنع حركة الغذاء والبضائع والأسلحة.
وقالت الكولونيل: سوف يمتد الجدار لمسافة 6- 7 أميال (حوالي 11 كيلومتراً)، وبعمق 55 قدماً (17 متراً)، في رمال الصحراء تحت سطح الأرض ، والجدار من ألواح فولاذ فائقة القوة معشقة يبعضها البعض ، وسوف يكون محصناً ضد القنابل ، وغير قابل للقطع أو الانصهار ، وغير قابل للاختراق أيضاً ، وأكدت الكولونيل أن الهدف من إقامة جدار الصلب الفولاذي تحت الأرض هو تعزيز الجهود الدولية الرامية لسجن وتجويع شعب غزة ؛ لحملهم على الخضوع وقالت : كما جدران الفولاذ الصلب التي أقامها سلاح الهندسة بالجيش الأميركي في قاعدة السدود بمدينة نيو أولينز المنخفضة لوقايتها من مياه البحر، لم تستطع احتواء إعصار كاترينا ، فإن جدران سلاح الهندسة بالجيش الأميركي ذاته من الفولاذ الصلب التي يحاولون إقامتها تحت الأرض كقفص لغزة، لن تتمكن من احتواء روح البقاء لشعب غزة .
الجدار الصهيوأمريكي أقيم على أرض مصر طوعاًأو كرهاً ، هو نتيجة اتفاقأمني عقدته أمريكا مع إسرائيل قبيل انتهاء ولاية بوش ، والذي أبعدت مصر عنه وإن كانت وثيقة الصلة بكلترتيباته، والخطوات التنفيذية التي أُقراتخاذها على الأراضي المصرية رغما عنها لمكافحة أي اختراق يهدف إلى تهريب السلاح والبضائع إلىغزة، وذلك بالتعاون مع قوة الرقابة الأمريكية الرابضة فيسيناء إذن أين هى السيادة يا من فرطتم في الكرامة ؟.
الهدف من إقامة الجدار هو إحكام الحصار على غزة من الجنوب بعد أن أحكمت إسرائيل قبضتها عليها شمالاً وشرقاًوغرباً، وكما ورد في تصريح خطير للمفوضة العامة لغوثاللاجئين كارينأبو زيد - هو «. إن الجدار الفولاذي صنع في الولايات المتحدة، وقد تم اختبار مقاومته للقنابل، وإنه أقوى من جدار خط بارليف ، وهو التمهيد لشن هجمة إسرائيلية مرتقبة على قطاع غزة»..
وقد أثار تصريح أبو زيد صدىً في أمريكا، إذ بدأتحملة مضادة شارك فيها عقيد احتياط في الجيش الأمريكي طالب «بمحاسبة الإدارةالأمريكية وحكومتي مصر وإسرائيل باعتبارهم مشاركين فاعلين فى الجرائم اللاإنسانيةالمستمرة ضد قطاع غزة وانتهاكاتهم لحقوق الإنسانالفلسطيني».
كما صرح ضابط احتياط كبير بالجيش الأمريكي قائلا : جدار مصر غير قابل للاختراق ، وسواء حدث هذاالهجوم أم لم يحدث، فالجدار سيئ السمعة طبقاً للمفوضة السامية الأمريكية الجنسية«سوف يزيد من صعوبة الحياة بالنسبة للفلسطينيين فى القطاع».
ذريعة الحفاظ على الأمن القومي المصري:
لم يكن الفلسطينيون في يوم من الأيام خطرا على الأمن القومي المصري، لكي يتذرع البعض بذريعة الحفاظ على الأمن القومي، بل على النقيض تماما فإن بناء الجدار سيعرض الأمن القومي المصري للخطر.
من العار أن يخرج مجلس تشريعي كمجلس الشورى ومجلس الشعب المصري والأزهر وكتبة النظام من الصهاينة العرب الذين يبررون للصهاينة عدوانهم على غزة وحصار الشعب الفلسطيني ليبرروا بناء الجدار الفولاذي.

فالجدار لا يخدم الأمن القومي المصري بقدر ما يخدم "إسرائيل" لتضييق الخناق أكثر على شعب غزة والمقاومة حتى يرضخ وتتحقق الأهداف التي وضعتها "إسرائيل" في حرب يناير 2009م، وهي إسقاط المقاومة والتي لم يستطع العدوان الصهيوني ولا التخاذل العربي إسقاطها ولن يستطع أحد أن يرمى المقاومة بسهم الخيانة لأنها رويت بدماء شهداء أطهار نالوا الشهادة فى سبيل الله أما الخونة فلهم الذل والصغار والخزي والعار .
هل ضاعت المروءة من بيننا؟
لقد حثنا الله على نصرة الكافر المفزوع إذا طلب منا النصرة أو طلب الأمن ليبلغ مأمنه، فقال تعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6)﴾ (التوبة).
أين شيخ الأزهر من موقف أبي جهل حينما لطم أسماء بنت أبي بكر ليلة هجرة رسول الله صلى الله عليها وسلم، وعندما سال منها الدم قال لها: "اكتمي عني هذا حتى لا يتحدث العرب أن عمرو بن هشام يلطم امرأة"، وهو- شيخ الأزهر- الذي أوجد المبرر لقتل الشيخ القعيد ، والطفل الجريح والمرأة المكلومة؟
وألا يكفى شيخ الأزهر أن ناله شكر أعداء الإسلام على فتواه بشرعية الجدار من مجلس الوزراء الصهيوني ليراجع نفسه قبل أن يغلق عليه قبره ولن تنفعه وقتها تعليمات رئيس أو وزير أو مباحث وهو الذي بلغ من العمر أرذله.
الهدف الإستراتيجي من بناء الجدار هو القضاء على المقاومة وإنهاء مشروح حماس فى المنطقة وتمكين زمرة محمود عباس أبو مازن والعملاء من قطاع غزة تمهيدا لإنهاء القضية الفلسطينية وضياع القدس .
جريمةفي حق سكان غزة:
إن لم يكن جريمة مصر الأولى هذا العام.. ففي العدوان الإسرائيلى مطلع العام الماضي الذي استمر ٢٢ يوماً قتل خلالها ١٤٤٠ فلسطينياً وأصيب ٥ آلاف آخرين،وشرد ٥٠ ألفاً بلا مأوى، صمتت مصر صمتاً مخزياً على العدوان، ثم واصلت الصمت علىغارات إسرائيل على حدودنا بهدف تدمير الأنفاق فإذا بقنابلها تسقط على أراضينا مراتوتهدم بيوت المصريين الحدودية مرات أخرى وتقتل وتصيب مالا يقل عن 170 مواطنا مصريا دون أن ينطق وزير خارجيتنا الهمام الذي لم يعل له صوت إلا بتهديد الفلسطينيين بقطع أرجل من يجتاز منهم الحدود ، أما طائرات الـ f16 فلها العذر إذا ما اجتازت الحدود لتضرب الأنفاق الفلسطينية في تماهى واضح وتعاون صريح في العدوان على غزة .
وأحكمت مصر إغلاق الحدود ومنعت قوافل المساعدات الدولية والمصرية من دخول القطاع إلا بشق الأنفس والتنسيق مع الاحتلال الصهيوني، وحالت بيندخول وخروج الفلسطينيين إلا بعناء شديد.. بعد كل هذا تشترك مصر مرة أخرى مع إسرائيل وأمريكا وفرنسا في إقامة جدار يخنق غزة ويجوّع مليوناً ونصف مليون فلسطيني بهدفتركيعهم وإذلالهم وإخضاعهم لشروط إسرائيل، أو استنفارهم ضد حكم حماس، وإسقاط حماس ذاتها لصالح حكمأبومازن الفاسد المتواطئ مع الصهاينة..
ترويج أكذوبة أن مصر خاضت أربع حروب من أجل فلسطين، دون إدراك أن جميع الحروب التي خاضتها مصر هي للدفاع عن مصر والأمن القومي المصري بالدرجة الأولى ، وإلا من الذي فرط في غزة إبان نكسة 1967 وسلمها للاحتلال ،أليست هي مصر المسئولة إداريا وعسكريا عن غزة منذ العام 1948 ، وعندما اشتدالعدوان على غزة وحاول أهلها الهروب من الجحيم إلى مصر فمنعوا من العبور وأغلقت عليهم المنافذ والحدود فاقتحموها.. فأطلقت الكلاب المسعورة تنبح بأنالسيادة المصرية انتهكت، وأن أمن مصر القومي في خطر، وأن الفلسطينيين قادمونليستوطنوا سيناء.
وإذا كان الفلسطينيون يجب ألا يتسللوا إلى مصر أو يدخلوها إلا بتصريح رسمي وهم أولو الدم والقربى والدين ، فلماذا يبرطع الإسرائيليين فيسيناء دون حاجة إلى تأشيرة..
والقول أن مصر إذا كانت تخشى توقيععقوبات عليها إن لم تحاصر غزة وتمنع تهريب السلاح في الأنفاق السرية إليها، فإن النظام المصري متورط في جريمة ضد الإنسانية وضدالدين وضد القيم الأخلاقية وهو يمنع- على حد قول صحيفة الإندبندنت البريطانية- وصولالغذاء وضرورات الحياة اليومية للفلسطينيين..
إن حل مشكلة الأنفاق لا يكون بفرض مزيد من الحصار بل بفتح المعابر وتمكين الشعب الفلسطيني من الحياة والصمود ، لكن للأسف مصر لا تريد إغضاب إسرائيل، بل إنها أدخلت نفسها ضمن ما يسمى دول الاعتدال العربية مع أمريكا وارتبطت ارتباطا مشينا معالإسرائيليين، ونسقت ودخلت في تحالفات واتفاقات سرية ، آخرها الاتفاق على الجدار العازلمع غزة تحقيقا لمصالح الأمن القومي الأمريكي والصهيوني وضد الأمن القومي المصري.
وليس أدل على ذلك من تخريب العلاقات المصرية الفلسطينية بسبب هذا الجدار وغلق المعابر، فأي أمن لمصر عندما تقف مصر ضد الشعب الفلسطيني بخنقه وحصاره وموته ؟،أو عندما تنسحب - كما تقولوكالة أسوشيتدبرس- من أي دور قيادي لها في حل القضية الفلسطينية ؟ أو عندما تفقد حيادها كوسيط فيالمصالحة الفلسطينية بمعاداتها فريقاً وانحيازها للآخر؟
لقد آن الأوان أن نقول لا للإملاءات الأمريكية والصهيونية وأن نؤمن بأن أمننا القومي هو في تمكين المقاومة الفلسطينية ضد المشروع الصهيوني .
لذلك فإننا نطلب وقف بناء الجدار الفولاذي وفتح معبر رفح وتحمل مسئوليتنا التاريخية تجاه أبناء شعبنا الصامد فى فلسطين حتى لا نشارك في هذه الجريمة.
(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).


محمد السيسى المحامى

No comments: