22.4.08

المحاكمات العسكرية




صراع بين نظام يفتقد للشرعية وجماعة تكتسب المشروعية

أصدرت المحكمة العسكرية أحكامها ضد رموز الإصلاح ودعاته، ليفقد النظام الحاكم باستمراره اعتماد المحاكمات العسكرية وسيلة وحيدة للتخلص من خصومه السياسيين كافة مسوغات الشرعية القانونية والدستورية والشعبية في بقائه على سدة الحكم، ولم يعد أمامه مهرب سوى التنكيل بالشعب كل الشعب الرافض لهذه المحاكمات الصورية والظالمة لأبناء الوطن، وفى الوقت ذاته تتضاءل أمامه فرص البقاء في عالم بات يلفظ الاستبداد وشعب يأبى الخنوع والاستسلام إلى الأبد لحكم طاغية مستبد.
الإخوان المسلمون، جماعة أسست على التقوى من أول يوم بدأ وضع لبناتها على يد الإمام الشهيد حسن البنا رضي الله عنه، وساهمت في نهضة الأمة ودعت إلى الجامعة الإسلامية العالمية، وتحقيق الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم كمشروع تتبناه الشعوب الإسلامية، وتسير في منهجها وفق كتاب الله وسنة رسول الله،معتمدة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، لا تلتزم رؤية فقهية محددة، تلتزم بالأصول، وتحترم الاختلاف في الفروع، تؤمن بالإصلاح المتدرج، وترفض سبيل العنف والإرهاب، تتهم بأنها تهادن الحكومات بدعوى عدم تصادمها معهم بسبب مخالفة الحكومات للشريعة الإسلامية وسرعان ما يكتشف أهل الاندفاع والتطرف والغلو والعنف أن منهج الإخوان وهو الإصلاح السلمي الهادئ هو الأصلح للتغيير مع مثل هذه الأنظمة والحكومات .
قاومت الجماعة الاحتلال الإنجليزي فحاربت ضده في القنال، وجاهدت ضد اليهود في فلسطين 1948، وتعرضت بسبب ذلك لتآمر الحكومات عليها، فاعتقل مجاهدوها وهم في ميدان المعركة، وحلت جمعيتهم، واغتيل إمامهم حسن البنا عليه رحمة الله بالقاهرة في 12فبراير 1949.
وتستمر الجماعة في جهادها السلمي بعد حركة الجيش في 23يوليو1952 لتطالب بمرجعية الشريعة الإسلامية للقوانين، وتصطدم بقادة الثورة وقائدهم جمال عبد الناصر الذي تملص من وعوده للإخوان وللشعب المصري بتطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة حياة نيابية وديمقراطية سليمة وعودة الجيش إلى ثكناته ، ووجد في نفسه أنه القائد والزعيم الأوحد ، فأزاح محمد نجيب أول رئيس جمهورية وقائد حركة الجيش ، وزج بأعضاء الجماعة في السجون ولفق لهم قضايا مثل حادثة المنشية ( التمثيلية)، والتي بفرض صحة وقوعها لا تكفى سندا على مشاركة الإخوان فيها أو تأييدهم لها ، ويتعرض الإخوان لأبشع عمليات الاعتقال والتعذيب في سجون عبد الناصر، وتتعرض مصر لنكبة مازالت تتجرع مرارتها حتى اليوم، وهى نكبة 1967، ويتم احتلال القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان وتتمدد الغدة السرطانية (الكيان الصهيوني ) في أرض فلسطين وسوريا ومصر، ويعرف القاصى والداني أن دكتاتورية الحاكم حتى ولو صحت نواياه تخلق شعبا منهزما وجيشا ضعيفا وقيادات خائنة، وأن الاستبداد يولد الفقر والجوع والجهل والمرض والخنوع ، وهذا ما نخشى تكراره اليوم بفعل أنظمة جاهلة متخلفة لا تدرك حجم المخاطر المحدقة بالوطن بعد احتلال العراق ، وتأزم الأوضاع في لبنان ، وتمزيق السودان ، وضياع الصومال ، ... .
ابتليت مصر منذ الانقلاب بحكم العسكر، وكأن الشعب المصري المسالم لا يمكن أن يحكم حكما مدنيا، ويظل رئيس الدولة عسكريا حتى مماته، فيموت البكباشى جمال عبد الناصر وهو رئيس للجمهورية وقائد أعلى للقوات المسلحة، ويليه السادات قائدا أعلى للقوات المسلحة حتى لحظة اغتياله، ويظل الرئيس الحالي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكل هذا بحكم الدستور، أن رئيس الجمهورية يتمتع بسلطات مطلقة ومنها أنه يحكم بآلية عسكرية، ويحاكم خصومه أمام محاكم عسكرية ، والشعب المصري ليس سوى رعايا في المعسكر تتلقى السياط والضرب والقهر والجوع والمحاكمات العسكرية لمن تشرئب عنقه لنسمة هواء أو شمس حرية.
وبات مكتوبا على الشعب المصري أن يحكم بالعسكر وكأنه فاقد الرشد أو الأهلية، وقد يعجب البعض من هذا الإصرار، لماذا ؟ ، هل لأن مصر محتلة وتحتاج إلى جيش قوى يحميها ولا بد لهذا الجيش من قائد عسكري فذ، عندئذ لا بد أن يكون هذا القائد الفذ قائدا للشعب،يحرره من الاستعمار ويقيه من الاحتلال ، أم لأنه ليس من المجدي أو المفيد أو اللائق أن يأتمر هذا القائد الفذ بقائد أعلى منه مدنيا، وهذه معرة لا يمحوها إلا الدم.
الدستور نص على أن رئيس الجمهورية يتقلد منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهذا ليس معناه أن يكون هذا القائد عسكريا، إذ أن قيادته للجيش قيادة سياسية وليست عسكرية، والعالم كله الديمقراطي ونصف الديمقراطي يحكمه مدنيون ويأتمر الجيش بأمر رئيس الحكومة أحيانا ورئيس الدولة أحيانا أخرى، وقد يأتي قائد الجيش نفسه مدنيا ولم يقل أحد بأن الجيش افتقد مكانته أو هيبته.
وتعرض الإخوان المسلمون لنكبات من الحكام العسكر الذين يحكمون الشعب كما لو أنهم رعايا لا مواطنون ، فمن يخرج من طابور الولاء والطاعة يلقى مصيره من التأديب والتهذيب والإصلاح، وكسر الرقبة.
قد يتصنع الحاكم العسكري أنه مدني بلباسه، فيرفض الزى العسكري، ولكن ماذا يفعل في جلده الذي لا يستطيع أن يسلخه ويتحول إلى حاكم مدني، وقد يسمح بإنشاء أحزاب ولكنه يصنعها تحت عينه فتخرج أحزابا ورقية هشة، وإذا ما تطاول حزب على نيل شرف المساهمة في حكم الوطن قصفت رقبته وزج بأعضائه إلى السجن، وأغلقت مقاره ومزقت صحفه، والنماذج لا تعد ولا تحصى، فحزب العمل لقي جزاء الإغلاق والحصار والانقسام والتشريد لتحالفه مع الإخوان في 1987،ولمحاولته أن يصبح حزبا ينافس أغلقت جريدته رغم صدور أكثر من أربعة عشر حكما قضائيا لم تفلح في زحزحة النظام عن سطوته قيد أنملة، وحزب الأحرار يتناوش الرئاسة عليه ستة أو سبعة رؤساء كل منهم يدعى أنه مدعوم من الأمن أو العسكر ، وأحزاب تقتات على ما يلقيه إليها الحزب الحاكم من فتات، مقعد في مجلس الشعب، وآخر في الشورى، وأربعة في المحليات ويستخدمهم النظام في حربه ضد الإخوان، ومثال ذلك حزب التجمع ورئيسه رفعت السعيد الذي بات ضيفا مكررا في حالة حوار لسان حال لجنة السياسات فى الحزب الوطني.
تأتى الطامة الكبرى على النظام المستبد الغاشم بهزيمة حزبه في الانتخابات ليحصل على أقلية (37% في انتخابات الشعب2005)، ويفوز الإخوان بخمس مقاعد البرلمان رغم التدخلات الأمنية بالتزوير في المرحلتين الثانية والثالثة وسقوط اثني عشر قتيلا في هذه الانتخابات، ويصرح رئيس وزراء النظام لصحيفة النيوزويك بأن الإخوان كانوا سيحصلون على مائة وخمسين مقعدا لو تركت الانتخابات كما هي في مرحلتها الأولى، وتأتى الفضيحة المدوية على التزوير بخروج القضاة عن صمتهم وعقدهم جمعيات عمومية تفضح ما يقوم به المستبدون من تزوير في الانتخابات وأبرزها شهادة مائة وثمانية وثلاثون قاضيا على تزوير الانتخابات في دائرة دمنهور لصالح مرشح الحزب الوطني د.مصطفى الفقى ضد النائب الشرعي د.جمال حشمت .
يدخل مجلس الشعب ثمانية وثمانون نائبا، ومعهم معارضون حزبيون ومستقلون يكشفون عورات النظام وليشكلوا كتلة تزيد عن المائة نائب يعارضون قانون الطوارئ والتعديلات الدستورية والفساد والرشوة، والاحتكار وغلاء الأسعار.
يتشرس النظام، ويحكم قبضته الأمنية، ويسد طاقات الأمل في الدستور، فيعدل المادة 76 من الدستور ليجعل الترشيح للرئاسة أمرا فى غاية الصعوبة والخطورة ، فإذا ما تجرأ شاب مثل أيمن نور وناطح الأسرة المالكة كان نصيبه السجن ، والذي يليه في ترتيب الأصوات رئيس حزب معارض وأستاذ جامعي مرموق د. نعمان جمعة والذي دعي إلى الترشيح لينال أيضا الحبس تحت خلفية صراع حزبي ، والذي حاول الترشيح ولم يفلح مثل طلعت السادات أيضا حبس سنة بعد محاكمة عسكرية نتيجة مطالبته بإعادة التحقيقات في ملف اغتيال عمه رئيس الجمهورية السابق أنور السادات ، وكأنهم أصابتهم لعنة الترشيح لانتخابات الرئاسة ، وبعدها يتم تعديل أربعة وثلاثين مادة في الدستور يواجه بها النظام الحاكم جماعة الإخوان المسلمين.
يؤمم النظام الحاكم المستبد الحياة السياسية في مصر بحظر ممارسة أي نشاط سيأسى على أساس ديني، يحظر مرجعية الإسلام للعمل السياسي، يلغى ويقيد حق الترشيح، يلغى الإشراف القضائي على الانتخابات العامة ويجريها في يوم واحد تحت إشراف لجنة عليا معينة بعيدا عن الإشراف القضائي يناط بها صلا حيات الحظر والمنع والشطب، نكاية في القضاة الذين علا صوتهم ضد ممارسات الحكم ، ويمارس الأمن دورا قذرا في الحياة السياسية فيلغى حق الترشيح والانتخاب عمليا وبسطوة الأمن المركزي والاعتقالات ، مثلما حدث في انتخابات الشورى 2007 والمحليات 2008.
يزج النظام معارضيه في السجون بقضايا إما ملفقة أو مصطنعة، ويحيل رموز الإصلاح ومعارضيه السياسيين على القضاء العسكري بعدما برأتهم المحاكم المدنية وأمرت بإخلاء سبيلهم فورا.
يمارس القضاء العسكري مع شرفاء الوطن مسرحية هزلية، محكمة وحاجب وقاضى ومحامى وجمهور، كل هؤلاء في سجن كبير يسمى المحكمة العسكرية، الدخول إليها بتصريح، وتفتيش ذاتي، ومنع التصوير إلا من كاميرات تابعة لجهة غير معلومة أغلب الظن أنها تابعة لرئيس الجمهورية، القاضي ضابط يتبع وزير الدفاع، لا يتمتع بالحياد ولا الاستقلال، في أي لحظة يمكن تغييره أو عزله، وحكمه لا ينفذ إلا بعد التصديق، والمصدق يستطيع تعديل الحكم أو إلغاؤه أو تأييده، ولا أهمية للمرافعات أو سماع الشهود أو تقارير فنيه، كلها فبركة تكتمل بها فصول المسرحية، لا يستطيع أحد سواء محام أو من الجمهور دخول المحكمة إلا بإذن، والمحكمة داخل منطقة عسكرية لا يمكن المرور فيها أو العبور منها إلا داخل سيارة تابعة للقوات المسلحة، لا تتوافر أية ضمانات للدفاع أو للمراقبين ليشاهدوا سير المحاكمة، والأحكام في النهاية جاهزة.
حبس مشدد بين عشرة سنوات وثلاثة سنوات لخمسة وعشرين متهما من الأبرياء، وتبرئة خمسة عشر حتى لا يقال أن المحكمة ظالمة، ولكن لا فرق بين من تم تبرئته ومن تمت إدانته، جميعهم لهم مراكز قانونية واحدة ومتماثلة، ولا دليل على من أدينوا يتوافر فيه معايير الإدانة لا تتوافر فيمن تم تبرئته، التحريات واحدة، مضلله ومفبركة، شهودها سريون، ومصادرها الدقيقة والحساسة سرية، وعمليات القبض والتفتيش كلها باطلة، أذون الضبط للجميع باطلة، والتحريات باطلة، ولم يجد القضاء المدني عند نظر أوامر الحبس والتظلمات فيها أية حاجة لاستمرار حبسهم، فقضى بالإفراج عنهم جميعا وفورا، وقضت محكمة جنائية بالإفراج عنهم من قرار الاعتقال، وتأيد الإفراج، وتمت إحالتهم إلى القضاء العسكري، وقضت محكمة القضاء الإداري بعدم اختصاص القضاء العسكري بنظر قضيتهم، وطعن أمام دائرة معينة بالإدارية العليا دون أن يعلن المتهمون، وتم رد هيئة المحكمة لوجود مستشارين فيها لرئيس الجمهورية، تتعارض مصالحهم مع نظر الدعوى، ولم تمهل المحكمة المتهمين لاتخاذ إجراءات الرد أو تمكينهم من عمل التوكيلات اللازمة وهم محبوسين في إصرار غير عادى على إلغاء حكم القضاء الإداري، وتم رفع دعوى تنازع اختصاص أمام الدستورية العليا، ومع ذلك وبالمخالفة للقانون تم الاستمرار في نظر الدعوى أمام قضاء عسكري غير مستقل وغير مختص وغير محايد ولا يتمتع قضاته بالحيدة والاستقلال اللازمين للفصل في مثل هذه الدعاوى، والمتهمون في خصومة سياسية مع النظام الذي يرأسه القائد الأعلى للقوات المسلحة والذي يخضع لسلطاته القاضي العسكري، مما يبطل معه الاستمرار في نظر الدعوى، ويلقى بظلال من عدم الثقة والاطمئنان الواجب توافرهما في القضاء العادي.
أحكام قاسية الهدف منها الإغلاق التام والحصار الشامل في وجه حركة إسلامية معتدلة تصر على منهج الاعتدال والوسطية، الهدف منها تكميم الأفواه، وتكبيل الحركة والسير نحو الإصلاح الذي تدعوا إليه جماعة الإخوان المسلمين، أحكام قاسية الغرض منها إعاقة وصول الإخوان إلى النخب والجماهير الشعبية والترشيح للانتخابات العامة، واتضح هذا جليا في انتخابات الشورى 2007، والمحليات 2008، أحكام قاسية تخيف القوى السياسية الأخرى من المشاركة المجتمعية أو التأسيس لعمل وطني جماهيري.
هي رسالة خاطئة للشعب المصري، مكتوب فيها أن ملفات التوريث، والأحزاب، والانتخابات، والشأن العام مرهون بمؤسسة الحكم والرئاسة تقرر فيه ما تشاء، وعلى الشعب ألا ينصاع للأوامر والتعليمات ، إذ أن الشعب مصدر السيادة ، ومكنون المشروعية لا البلطجة الأمنية أو القانونية لنظام فقد الشرعية .



محمد السيسى المحامى

12.4.08

غزة قبل الانفجار


غزة قبل الانفجار
بقلم / محمد السيسى
شعب غزة ، مثل أي شعب ، يحب الحياة ، يكره الدمار والقتل ، يحب الهدوء والاستقرار ، يكره الفوضى ، يحب أن يكون عزيزا في وطنه ، يكره الذل في أي مكان ، شعب غريزته الدفاع عن وطنه ودينه وكرامته ، لا يفرط يحمل روحه على راحته لا يخشى الردى ، تقصفه طائرات الاحتلال الصهيوني بصواريخ تمزق الأطفال أشلاء ، وتحرق وتدمر المنازل والمساجد وحتى عربات الإسعاف ، دبابات الاحتلال تدك الأرض بقذائفها التي تحسن الهلاك والدمار ، يقاوم الشعب الإنسان ، بالحجر والمقلاع ، وبصواريخ القسام ، وبالرشاش ، وبصدور الشجعان ، تعلوا في جنان الخلد أرواح الشهداء ، قادتهم يقدمون أنفسهم وأبناءهم فداء لعزهم وسؤددهم ، يحاصرهم الأمريكان والصهاينة والعرب والمسلمون ، لماذا ؟
سؤال يطرح ، والجواب فى بطن حوت أسود ميت في بحر الظلمات ، يغشاه موج ومن فوقه موج ومن فوقه سحاب ، ويطلسم الحكام العرب ، فيهرفون بما لا يسمع من القول ولا يفهم ، منهم زعيم وما هو بزعيم يطق حنكه بنكتة أسخف من سماه وهى أنه لن يسمح بتجويع غزة ، هاه هاه ، غزة تئن من الحصار وأطفالها وجرحاها ومرضاها يموتون في طابور القتل البطيء على أسوار رفح ، فلا دواء ولا غذاء ولا وقود ولا حتى هواء .
غزة ، لا تيأسي ، مصيرك من مصير حكام باعوا ضمائرهم وأوطانهم بحفنة دولارات ملوثة بدماء الأبرياء في غزة فلسطين وفى سيناء والضفة والعراق ، حكام باعوا حتى شعوبهم فأجاعوهم وسلخوا ظهورهم وأفقروهم وسجنوا حريتهم وأذلوهم فأضاعوا كراكتهم ، ويوم أن تتحرر الأوطان والشعوب تتحرر غزة من الحصار والاحتلال ، وهذا اليوم العظيم نرى نور فجره قد لاح ، وإذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر .
شعب مصر المقاوم يرفض الذل مثلكم ، ويرفض الحصار والتجويع مثلكم ، ويرفض الأمريكان والصهاينة مثلكم ، وينادى يا أيها الشرفاء أنقذونا مما نحن فيه مثلكم ، قدمنا بأقدامكم وصفوفنا ممتدة مع صفوفكم ، وقدرنا هو قدركم ، ولن تنالوا الحرية قبلنا ولن ننعم بالأمن قبلكم فمصيرنا هو مصيركم .
تقصفون كل يوم بالصواريخ وأزيز الطائرات يلوث أسماعكم ، ونحاصر نحن كل ساعة بمليون ونصف من عساكر الأمن المركزي ترمينا بالقنابل وتضربنا بالعصا وتقتلنا بالرشاش وتكتم أنفاسنا فلا تكاد تسمع همسنا .
تزور عندنا الانتخابات حتى من قبل أن تبدأ ، فيمنع مرشحينا من التقدم بأوراق الترشيح ، بل يعتقلون ويحبسون لأنهم حسب زيفهم عطلوا الدستور ومنعوا الدولة من ممارسة أعمالها وهددوا الوحدة الوطنية واستغلوا المناخ الديمقراطي و ...
نقف في طابور الخبز ( يا للفضيحة) ساعات وساعات من أجل رغيف نسد به رمق طفل يعوى ، وأسعار الدواء ترتفع وترتفع فلا نقدر على علاج أطفالنا وكبار السن المرضى منا .
طابور العاطلين عن العمل يمتد ليصل إلى تسعة مليون عاطل لا يجدون عملا ولا رزقا ولا مسكنا ولا ...
أنتم في غزة تطلبون رفع الحصار ، وحكومتكم الشرعية تقف معكم في ذات الخندق ، بل يقدمون أبناءهم شهداء ، عندكم قائد فذ مثل إسماعيل هنية يعيش معكم في مخيم الشاطئ للاجئين ، والزهار والحية يقدمون أبناءهم وفلذات أكبادهم شهداء ، لم يهربوا من الميدان ولم يودعوا أموالا في سويسرا ، ولم يرسلوا أبناءهم للخارج يتسكعون في أوروبا على حساب الشعب الفلسطيني ، فأنتم في رباط قادة وجنود ، شعبا وراية ، أسود تزأر وفرسان تزود وتجاهد ، ورهبان تتعبد وتقنت ، وسماء تظلكم بملائكة تغشاكم بالرحمة والدعاء ، وقدر يحرسكم من غوائل الشر من يهود وعملاء .
من حقكم أن تطلبوا فك الحصار ، ومن واجب الأمة بأسرها أن تلبى نداءكم وترفع الحصار ، وعلى العالم الحر أن يقف بجانبكم ، فحقوقكم مشروعة إنسانيا وعربيا وإسلاميا ، ويوم أن كسرتم الجدار عبرتم عن حالة من الرفض للظلم تأباها الإنسانية ، لم تسرقوا ولم تقتلوا ولم ترتكبوا جرما ، بل قضيتم حاجاتكم بشرف وبثمن أغلى مما نتمنى ونرجوا ، وعدتم على أمل أن تنتصر الأمة لقضاياكم ، ونلتم عقابا على ما فعلتم وهو اشتداد الحصار ، ما المطلوب إذن ؟
المطلوب من الأمريكان والصهاينة والحكام العرب أن تضعف همتكم ، وتلين عزيمتكم ، وتنتكس رايتكم ، ويلى أمركم الخونة من أمثال عباس ودحلان وفياض وأولمرت ودايتون وكونداليزارايس عندها ، تدخلون السجون والمعتقلات ، ويشتد الحصار على الشعب أيضا ليقبل بالتوقيع والتفريط والتشرذم ، ليتم تسوية القضية على لا دولة فلسطينية ، ولا قدس ، ولا عودة للاجئين ، ولا إفراج عن أسرى ، ولا حدود 67 ، ولا حتى سلام .
المطلوب من الحكام العرب تنفيذ الأجندة الأمريكية الصهيونية ، ليتم البقاء في الحكم ، والتوريث ، وإلغاء الانتخابات ، وإعلان الاستبداد سبيلا وحيدا للحكم ، والقضاء على كافة الحركات الوطنية والقومية والإسلامية عبر قوانين الإرهاب والطوارئ والأحزاب ، وتمكن أجهزة الأمن والبوليس من رقاب العباد .
فك الحصار ، يتم عبر بوابة الشعوب لا الحكام ، يتم عبر المقاومة ضد الاحتلال وأعوان الاحتلال ، يتم عبر الصمود المدني ضد تغول السلطة وقهرها للحريات والشعوب ، يتم عبر ممارسة الضغط المستمر على الحكومات العربية من الشعوب والقوى السياسية الفاعلة والعلماء قادتها ليحسن ممارستها واستثمار نتائجها .
اصبروا أهل غزة ، فالنصر قريب وآت وستفتح الحدود بإذن الله .
محمد السيسى المحامى

5.4.08

محرقة غزة


محمد السيسى المحامى
محرقة غزة
محرقة غزة
بقلم / محمد السيسى
"سنحول غزة إلى هلوكوست " ، تصريح لنائب وزير الدفاع الصهيوني ، في إشارة إلى الهلوكوست الذي يزعم اليهود أنهم تعرضوا له على أيدي النازي ، ورغم تباكى بنى صهيون على المحرقة وتحويلها إلى متحف في الكيان الصهيوني وفى الولايات المتحدة يحكى ما يقولونه عن أفران الغاز والمحرقة ، إلا أنهم وإن كانت واقعة الهلوكوست الأولى مبالغا فيها وتحوى الكثير من المزاعم والافتراءات والأباطيل ويتباكى فيها اليهود من أجل استنزاف الدول الأوروبية وألمانيا تحديدا وجعل مجرد التشكيك في المحرقة معاداة للسامية ، فجرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين متواصلة ومتتابعة ويصمت العالم ومنظماته فلا تكاد تسمع تنديدا ولا إنكارا للمحارق الصهيونية لشعب بأكمله ، وجرائم الاحتلال الصهيوني البشعة في قطاع غزة فاقت كل وصف ، ففي يوم واحد – السبت 1/3/2008- استشهد أكثر من ستين شهيدا بينهم خمسة عشر طفلا وامرأة وجميعهم مدنيين ، وبتنا نشاهد المجازر تلو المجازر حتى تبلد لدينا الإحساس وفقدنا الأمل في عرائس الشمع التي تحكمنا ، ونسمع صرخات الاستغاثة كالطلقات تصم آذاننا ولون الدم المسفوح غدرا وجرما يملأ شاشات الأفق وعيوننا جف منها الدمع ، شعوب العالم الحر تئن كما يئن الأطفال ، ومؤتمرات تعقد هنا وهناك ، ومسيرات تجوب الشوارع ، وأنظمة قمعية تسلب الإرادة وتملأ السجون والمعتقلات بخيرة شباب الأمة ، ولسان حال الأنظمة يتلمس الأعذار للاحتلال ، فلا تسمع إدانة ولا استنكار وكأن القتيل شاة أو خراف .
الطفل محمد البرعى ، ما ذنبه وقد أصابه صاروخ من طائرة F16 الأمريكية الصنع وهو ابن الخمسة أشهر ، طفل رضيع لم يتعلم بعد معنى اللعب واللهو ، لا يجيد إلا البسمة يرسمها في عيون والديه بعد أن من الله عليهما به بعد ست سنوات حرمان من الإنجاب ، ها هي المحرقة الإسرائيلية تختطفه من بين زراعي أمه المكلومة وأبيه الصابر المحتسب ، وما ذنب المصلين في مسجد بدر برفح الذي قصف هو الآخر ونال الشهادة رجال أطهار من الشرطة الوطنية الفلسطينية ، أين ضمير العالم الحر؟ ، أين منظمات حقوق الإنسان ؟، أين الشرعية الدولية البائسة ؟ .
أشد ما يؤلمنا هو المتاجرة بالدماء والعبث بأرواح الشهداء والنيل من المقاومة والتجريح المتعمد بل والإساءة للقضية الفلسطينية برمتها ، فعندما يصرح أبو مازن بأن ما يحدث في غزة يفوق المحرقة ، وفى نفس الوقت يذيع الكيان الصهيوني عن لقاء مرتقب في الأسبوع القادم بين أولمرت وعباس في تل أبيب ، ولنا أن نتساءل ، على أي أساس يلتق وجرائم الاحتلال الصهيوني في غزة تفوق المحرقة؟ وعلى أي شيء يتفاوض ودماء الشهداء لم تجف ؟ ألم يعد يجرى في دمائه لون دم فلسطيني ؟ ألم بأن الأوان بعد لنفض يده من مؤامرات الاحتلال الشريك فيها ؟ ألم يتعظ من سلفه ياسر عرفات الذي قتل بالسم لرفضه التنازل عن الثوابت الفلسطينية ، أنهار الشهداء تجرى وحكومة فياض دايتون ملطخة بدماء الفلسطينيين ، باتت حكومة موالية للاحتلال تقتل بالوكالة وتعذب أبناء الشعب الفلسطيني ، ومقرات الأمن الوقائي والمخابرات في رام الله يمارس فيها كل ألوان التعذيب والقتل ، وهاهو الشيخ أمجد البرغوثى تفيض روحه جراء التعذيب الوحشي على أيدي مخابرات عباس- فياض دايتون- أولمرت ، وهاهم المقاومين من شهداء الأقصى بعدما سلموا أسلحتهم وكتبوا إقرارا على أنفسهم بنبذ المقاومة للمحتل يلقون قتلى برصاص الاحتلال الإسرائيلي وهم أمام مبنى المخابرات وحبر تنازلهم لم يجف يعد ، ورياض المالكي وزير إعلام حكومة دايتون اللاشرعية يتهم المقاومة وصواريخها بالعبثية مثله مثل المتحدث الإعلامي للجيش الصهيوني المحتل حينما برر جرائم الاحتلال بأنها تأتى ردا على صواريخ القسام العبثية على المدنيين الإسرائيليين في سديروت وعسقلان ، ولا نجد في التاريخ كله رئيس دولة يحرض على شعبه ، ويطالب الاحتلال بتصفية المقاومة ، بدعوى وجود تنظيم القاعدة في غزة ،وكأنه ينادى أن هلموا يا إسرائيل ويا الولايات المتحدة الأمريكية إلى غزة أبيدوها عن آخرها بدعوى مكافحة الإرهاب حتى تستسلم لما يزعم الشرعية الدولية ، وتسلم إلى حكومة السلطة غير الشرعية بقيادة دايتون .
ولم نجد حصارا أشد إيلاما من حصار المقاومين ومنع الغذاء والدواء وعلاج الجرحى وحتى دفن الشهداء مما يحدث في غزة ، يمكن أن نتفهم مع الإدانة والاستنكار الشديدين ما يحدث من جرائم وحشية للاحتلال الصهيوني على أبنائنا في غزة ، فالصهاينة أعداء ومجرمون ، أما أن يشارك العرب والمسلمون في الحصار ، ويطبقون فاهم ولا ينبسون ببنت شفه ، وكأن الأمر لا يعنيهم ، ولا يستأسدون إلا على شعوبهم فيقمعون انتفاضة الشعوب بدعوى المحافظة على الأمن .
وعلى سبيل المثال عندنا في مصر ، تقمع المظاهرات المؤيدة للقضية الفلسطينية ويلقى القبض على الأبرياء ويزج بهم في السجون ، ويلقى إلى مسامعهم اتهامات مثل إثارة الكراهية ضد الحكومة بدعوى تقصيرها في حماية الشعب الفلسطيني من الاعتداء ، واستغلال المناخ الديمقراطي في الحض على كراهية الحكومة ، وكأن الحكومة التي أحرقت الشعب بالغلاء تحتاج إلى من يحرض الشعب على كراهيتها ، وكأن الحكومة التى تحكم الحصار على الجرحى والمرضى وتمنع الوقود والغذاء والدواء عن المحاصرين فى غزة تحتاج إلى الحض على كراهيتها ، وقد باتت حكومة يلفظها الشعب ، حكومة من المفسدين بل الخائنين لأوطانهم ، حكومة لا تحمى إلا الفساد ، حكومة لا تعيش يوما واحدا دون طوارئ ، أو قانون إرهاب ، حكومة تعتدي على استقلال القضاء ، حكومة لم يجرؤ وزير خارجيتها على توجيه اللوم أو العتاب على قتل الطفلة سماح أبو جراد المصرية برصاص جنود الاحتلال في ذات الوقت الذي يتحدث فيه بغير لباقة عن كسر قدم من يعبر الحدود في إشارة إلى الفلسطينيين الذين ملك عليهم الحصار واشتد فكسروا الجدار واستقبلهم الشعب المصري بكل الحب والحفاوة يقتسم معهم لقمة العيش والدواء .
أيا أبطالنا في غزة اصبروا وصابرو ورابطوا واعبدوا ربكم ، ولا يحزنكم حصار الأقرباء ، فخلفكم شعوب الأرض تتمنى الرباط معكم على أرض الأقصى ، وإن دحر الاحتلال قد بدأ زمانه ، والعدو من اليوم لن يعرف الانتصار ، ودماء الشهداء تضيء طريق النصر والعزة والكرامة ، والأصنام العربية التي تستغيثوا بها لا فائدة منها فاستغيثوا الله وهو مؤيدكم وناصركم ، وإن الفجر قد بزغ بل نراه في الأفق يبدد ظلام الاحتلال والطغيان ، ونرى هزائم الاحتلال في العراق وأفغانستان وعلى أرض فلسطين تؤكد أن وعد الله بدأ يتحقق مصداقا لقوله تعالى في سورة الإسراء(( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ، فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا )) ، ونرى تصديقا لحديث رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم (( لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيختبئ اليهودي خلف الشجر والحجر ، فيقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا شجر الغرقد فإنه من شجر يهود )) واليوم نراهم يبنون الجدار يختبئون خلفه ويقتلون المسلمين بالصواريخ ولا يقدرون على مواجهتهم في أرض المعركة لأنهم جبناء ، ويهرعون مما يسمونها الصواريخ العبثية فيهربون كالجرذان لا يقوون على الصمود أو المواجهة .