
صراع بين نظام يفتقد للشرعية وجماعة تكتسب المشروعية
أصدرت المحكمة العسكرية أحكامها ضد رموز الإصلاح ودعاته، ليفقد النظام الحاكم باستمراره اعتماد المحاكمات العسكرية وسيلة وحيدة للتخلص من خصومه السياسيين كافة مسوغات الشرعية القانونية والدستورية والشعبية في بقائه على سدة الحكم، ولم يعد أمامه مهرب سوى التنكيل بالشعب كل الشعب الرافض لهذه المحاكمات الصورية والظالمة لأبناء الوطن، وفى الوقت ذاته تتضاءل أمامه فرص البقاء في عالم بات يلفظ الاستبداد وشعب يأبى الخنوع والاستسلام إلى الأبد لحكم طاغية مستبد.
الإخوان المسلمون، جماعة أسست على التقوى من أول يوم بدأ وضع لبناتها على يد الإمام الشهيد حسن البنا رضي الله عنه، وساهمت في نهضة الأمة ودعت إلى الجامعة الإسلامية العالمية، وتحقيق الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم كمشروع تتبناه الشعوب الإسلامية، وتسير في منهجها وفق كتاب الله وسنة رسول الله،معتمدة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، لا تلتزم رؤية فقهية محددة، تلتزم بالأصول، وتحترم الاختلاف في الفروع، تؤمن بالإصلاح المتدرج، وترفض سبيل العنف والإرهاب، تتهم بأنها تهادن الحكومات بدعوى عدم تصادمها معهم بسبب مخالفة الحكومات للشريعة الإسلامية وسرعان ما يكتشف أهل الاندفاع والتطرف والغلو والعنف أن منهج الإخوان وهو الإصلاح السلمي الهادئ هو الأصلح للتغيير مع مثل هذه الأنظمة والحكومات .
قاومت الجماعة الاحتلال الإنجليزي فحاربت ضده في القنال، وجاهدت ضد اليهود في فلسطين 1948، وتعرضت بسبب ذلك لتآمر الحكومات عليها، فاعتقل مجاهدوها وهم في ميدان المعركة، وحلت جمعيتهم، واغتيل إمامهم حسن البنا عليه رحمة الله بالقاهرة في 12فبراير 1949.
وتستمر الجماعة في جهادها السلمي بعد حركة الجيش في 23يوليو1952 لتطالب بمرجعية الشريعة الإسلامية للقوانين، وتصطدم بقادة الثورة وقائدهم جمال عبد الناصر الذي تملص من وعوده للإخوان وللشعب المصري بتطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة حياة نيابية وديمقراطية سليمة وعودة الجيش إلى ثكناته ، ووجد في نفسه أنه القائد والزعيم الأوحد ، فأزاح محمد نجيب أول رئيس جمهورية وقائد حركة الجيش ، وزج بأعضاء الجماعة في السجون ولفق لهم قضايا مثل حادثة المنشية ( التمثيلية)، والتي بفرض صحة وقوعها لا تكفى سندا على مشاركة الإخوان فيها أو تأييدهم لها ، ويتعرض الإخوان لأبشع عمليات الاعتقال والتعذيب في سجون عبد الناصر، وتتعرض مصر لنكبة مازالت تتجرع مرارتها حتى اليوم، وهى نكبة 1967، ويتم احتلال القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان وتتمدد الغدة السرطانية (الكيان الصهيوني ) في أرض فلسطين وسوريا ومصر، ويعرف القاصى والداني أن دكتاتورية الحاكم حتى ولو صحت نواياه تخلق شعبا منهزما وجيشا ضعيفا وقيادات خائنة، وأن الاستبداد يولد الفقر والجوع والجهل والمرض والخنوع ، وهذا ما نخشى تكراره اليوم بفعل أنظمة جاهلة متخلفة لا تدرك حجم المخاطر المحدقة بالوطن بعد احتلال العراق ، وتأزم الأوضاع في لبنان ، وتمزيق السودان ، وضياع الصومال ، ... .
ابتليت مصر منذ الانقلاب بحكم العسكر، وكأن الشعب المصري المسالم لا يمكن أن يحكم حكما مدنيا، ويظل رئيس الدولة عسكريا حتى مماته، فيموت البكباشى جمال عبد الناصر وهو رئيس للجمهورية وقائد أعلى للقوات المسلحة، ويليه السادات قائدا أعلى للقوات المسلحة حتى لحظة اغتياله، ويظل الرئيس الحالي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكل هذا بحكم الدستور، أن رئيس الجمهورية يتمتع بسلطات مطلقة ومنها أنه يحكم بآلية عسكرية، ويحاكم خصومه أمام محاكم عسكرية ، والشعب المصري ليس سوى رعايا في المعسكر تتلقى السياط والضرب والقهر والجوع والمحاكمات العسكرية لمن تشرئب عنقه لنسمة هواء أو شمس حرية.
وبات مكتوبا على الشعب المصري أن يحكم بالعسكر وكأنه فاقد الرشد أو الأهلية، وقد يعجب البعض من هذا الإصرار، لماذا ؟ ، هل لأن مصر محتلة وتحتاج إلى جيش قوى يحميها ولا بد لهذا الجيش من قائد عسكري فذ، عندئذ لا بد أن يكون هذا القائد الفذ قائدا للشعب،يحرره من الاستعمار ويقيه من الاحتلال ، أم لأنه ليس من المجدي أو المفيد أو اللائق أن يأتمر هذا القائد الفذ بقائد أعلى منه مدنيا، وهذه معرة لا يمحوها إلا الدم.
الدستور نص على أن رئيس الجمهورية يتقلد منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهذا ليس معناه أن يكون هذا القائد عسكريا، إذ أن قيادته للجيش قيادة سياسية وليست عسكرية، والعالم كله الديمقراطي ونصف الديمقراطي يحكمه مدنيون ويأتمر الجيش بأمر رئيس الحكومة أحيانا ورئيس الدولة أحيانا أخرى، وقد يأتي قائد الجيش نفسه مدنيا ولم يقل أحد بأن الجيش افتقد مكانته أو هيبته.
وتعرض الإخوان المسلمون لنكبات من الحكام العسكر الذين يحكمون الشعب كما لو أنهم رعايا لا مواطنون ، فمن يخرج من طابور الولاء والطاعة يلقى مصيره من التأديب والتهذيب والإصلاح، وكسر الرقبة.
قد يتصنع الحاكم العسكري أنه مدني بلباسه، فيرفض الزى العسكري، ولكن ماذا يفعل في جلده الذي لا يستطيع أن يسلخه ويتحول إلى حاكم مدني، وقد يسمح بإنشاء أحزاب ولكنه يصنعها تحت عينه فتخرج أحزابا ورقية هشة، وإذا ما تطاول حزب على نيل شرف المساهمة في حكم الوطن قصفت رقبته وزج بأعضائه إلى السجن، وأغلقت مقاره ومزقت صحفه، والنماذج لا تعد ولا تحصى، فحزب العمل لقي جزاء الإغلاق والحصار والانقسام والتشريد لتحالفه مع الإخوان في 1987،ولمحاولته أن يصبح حزبا ينافس أغلقت جريدته رغم صدور أكثر من أربعة عشر حكما قضائيا لم تفلح في زحزحة النظام عن سطوته قيد أنملة، وحزب الأحرار يتناوش الرئاسة عليه ستة أو سبعة رؤساء كل منهم يدعى أنه مدعوم من الأمن أو العسكر ، وأحزاب تقتات على ما يلقيه إليها الحزب الحاكم من فتات، مقعد في مجلس الشعب، وآخر في الشورى، وأربعة في المحليات ويستخدمهم النظام في حربه ضد الإخوان، ومثال ذلك حزب التجمع ورئيسه رفعت السعيد الذي بات ضيفا مكررا في حالة حوار لسان حال لجنة السياسات فى الحزب الوطني.
تأتى الطامة الكبرى على النظام المستبد الغاشم بهزيمة حزبه في الانتخابات ليحصل على أقلية (37% في انتخابات الشعب2005)، ويفوز الإخوان بخمس مقاعد البرلمان رغم التدخلات الأمنية بالتزوير في المرحلتين الثانية والثالثة وسقوط اثني عشر قتيلا في هذه الانتخابات، ويصرح رئيس وزراء النظام لصحيفة النيوزويك بأن الإخوان كانوا سيحصلون على مائة وخمسين مقعدا لو تركت الانتخابات كما هي في مرحلتها الأولى، وتأتى الفضيحة المدوية على التزوير بخروج القضاة عن صمتهم وعقدهم جمعيات عمومية تفضح ما يقوم به المستبدون من تزوير في الانتخابات وأبرزها شهادة مائة وثمانية وثلاثون قاضيا على تزوير الانتخابات في دائرة دمنهور لصالح مرشح الحزب الوطني د.مصطفى الفقى ضد النائب الشرعي د.جمال حشمت .
يدخل مجلس الشعب ثمانية وثمانون نائبا، ومعهم معارضون حزبيون ومستقلون يكشفون عورات النظام وليشكلوا كتلة تزيد عن المائة نائب يعارضون قانون الطوارئ والتعديلات الدستورية والفساد والرشوة، والاحتكار وغلاء الأسعار.
يتشرس النظام، ويحكم قبضته الأمنية، ويسد طاقات الأمل في الدستور، فيعدل المادة 76 من الدستور ليجعل الترشيح للرئاسة أمرا فى غاية الصعوبة والخطورة ، فإذا ما تجرأ شاب مثل أيمن نور وناطح الأسرة المالكة كان نصيبه السجن ، والذي يليه في ترتيب الأصوات رئيس حزب معارض وأستاذ جامعي مرموق د. نعمان جمعة والذي دعي إلى الترشيح لينال أيضا الحبس تحت خلفية صراع حزبي ، والذي حاول الترشيح ولم يفلح مثل طلعت السادات أيضا حبس سنة بعد محاكمة عسكرية نتيجة مطالبته بإعادة التحقيقات في ملف اغتيال عمه رئيس الجمهورية السابق أنور السادات ، وكأنهم أصابتهم لعنة الترشيح لانتخابات الرئاسة ، وبعدها يتم تعديل أربعة وثلاثين مادة في الدستور يواجه بها النظام الحاكم جماعة الإخوان المسلمين.
يؤمم النظام الحاكم المستبد الحياة السياسية في مصر بحظر ممارسة أي نشاط سيأسى على أساس ديني، يحظر مرجعية الإسلام للعمل السياسي، يلغى ويقيد حق الترشيح، يلغى الإشراف القضائي على الانتخابات العامة ويجريها في يوم واحد تحت إشراف لجنة عليا معينة بعيدا عن الإشراف القضائي يناط بها صلا حيات الحظر والمنع والشطب، نكاية في القضاة الذين علا صوتهم ضد ممارسات الحكم ، ويمارس الأمن دورا قذرا في الحياة السياسية فيلغى حق الترشيح والانتخاب عمليا وبسطوة الأمن المركزي والاعتقالات ، مثلما حدث في انتخابات الشورى 2007 والمحليات 2008.
يزج النظام معارضيه في السجون بقضايا إما ملفقة أو مصطنعة، ويحيل رموز الإصلاح ومعارضيه السياسيين على القضاء العسكري بعدما برأتهم المحاكم المدنية وأمرت بإخلاء سبيلهم فورا.
يمارس القضاء العسكري مع شرفاء الوطن مسرحية هزلية، محكمة وحاجب وقاضى ومحامى وجمهور، كل هؤلاء في سجن كبير يسمى المحكمة العسكرية، الدخول إليها بتصريح، وتفتيش ذاتي، ومنع التصوير إلا من كاميرات تابعة لجهة غير معلومة أغلب الظن أنها تابعة لرئيس الجمهورية، القاضي ضابط يتبع وزير الدفاع، لا يتمتع بالحياد ولا الاستقلال، في أي لحظة يمكن تغييره أو عزله، وحكمه لا ينفذ إلا بعد التصديق، والمصدق يستطيع تعديل الحكم أو إلغاؤه أو تأييده، ولا أهمية للمرافعات أو سماع الشهود أو تقارير فنيه، كلها فبركة تكتمل بها فصول المسرحية، لا يستطيع أحد سواء محام أو من الجمهور دخول المحكمة إلا بإذن، والمحكمة داخل منطقة عسكرية لا يمكن المرور فيها أو العبور منها إلا داخل سيارة تابعة للقوات المسلحة، لا تتوافر أية ضمانات للدفاع أو للمراقبين ليشاهدوا سير المحاكمة، والأحكام في النهاية جاهزة.
حبس مشدد بين عشرة سنوات وثلاثة سنوات لخمسة وعشرين متهما من الأبرياء، وتبرئة خمسة عشر حتى لا يقال أن المحكمة ظالمة، ولكن لا فرق بين من تم تبرئته ومن تمت إدانته، جميعهم لهم مراكز قانونية واحدة ومتماثلة، ولا دليل على من أدينوا يتوافر فيه معايير الإدانة لا تتوافر فيمن تم تبرئته، التحريات واحدة، مضلله ومفبركة، شهودها سريون، ومصادرها الدقيقة والحساسة سرية، وعمليات القبض والتفتيش كلها باطلة، أذون الضبط للجميع باطلة، والتحريات باطلة، ولم يجد القضاء المدني عند نظر أوامر الحبس والتظلمات فيها أية حاجة لاستمرار حبسهم، فقضى بالإفراج عنهم جميعا وفورا، وقضت محكمة جنائية بالإفراج عنهم من قرار الاعتقال، وتأيد الإفراج، وتمت إحالتهم إلى القضاء العسكري، وقضت محكمة القضاء الإداري بعدم اختصاص القضاء العسكري بنظر قضيتهم، وطعن أمام دائرة معينة بالإدارية العليا دون أن يعلن المتهمون، وتم رد هيئة المحكمة لوجود مستشارين فيها لرئيس الجمهورية، تتعارض مصالحهم مع نظر الدعوى، ولم تمهل المحكمة المتهمين لاتخاذ إجراءات الرد أو تمكينهم من عمل التوكيلات اللازمة وهم محبوسين في إصرار غير عادى على إلغاء حكم القضاء الإداري، وتم رفع دعوى تنازع اختصاص أمام الدستورية العليا، ومع ذلك وبالمخالفة للقانون تم الاستمرار في نظر الدعوى أمام قضاء عسكري غير مستقل وغير مختص وغير محايد ولا يتمتع قضاته بالحيدة والاستقلال اللازمين للفصل في مثل هذه الدعاوى، والمتهمون في خصومة سياسية مع النظام الذي يرأسه القائد الأعلى للقوات المسلحة والذي يخضع لسلطاته القاضي العسكري، مما يبطل معه الاستمرار في نظر الدعوى، ويلقى بظلال من عدم الثقة والاطمئنان الواجب توافرهما في القضاء العادي.
أحكام قاسية الهدف منها الإغلاق التام والحصار الشامل في وجه حركة إسلامية معتدلة تصر على منهج الاعتدال والوسطية، الهدف منها تكميم الأفواه، وتكبيل الحركة والسير نحو الإصلاح الذي تدعوا إليه جماعة الإخوان المسلمين، أحكام قاسية الغرض منها إعاقة وصول الإخوان إلى النخب والجماهير الشعبية والترشيح للانتخابات العامة، واتضح هذا جليا في انتخابات الشورى 2007، والمحليات 2008، أحكام قاسية تخيف القوى السياسية الأخرى من المشاركة المجتمعية أو التأسيس لعمل وطني جماهيري.
هي رسالة خاطئة للشعب المصري، مكتوب فيها أن ملفات التوريث، والأحزاب، والانتخابات، والشأن العام مرهون بمؤسسة الحكم والرئاسة تقرر فيه ما تشاء، وعلى الشعب ألا ينصاع للأوامر والتعليمات ، إذ أن الشعب مصدر السيادة ، ومكنون المشروعية لا البلطجة الأمنية أو القانونية لنظام فقد الشرعية .
محمد السيسى المحامى
