6.10.08

عيد للفطر والنصر .. وحزن الشعب على حكام القصر


عيد للفطر والنصر .. وحزن الشعب على حكام القصر




بقلم / محمد السيسى المحامى

مضى رمضان شهر الرحمة والغفران والعتق من النيران ، واستقبل الناس عيدهم وهم في وجل وخوف من مصير مجهول وقدر بائس في ظل حكومة لا تتقن سوى الظلم والقهر والحرمان ، لا يملكون إلا الدعاء لمالك الملك والملكوت أن يخلصهم من الطغاة والفاسدين والعملاء الخونة .

يستقبل الناس عيدهم وهم فرحين بقبول صومهم وإفطارهم وراجين لقاء المولى وهم مغفورى الذنب ، إلا أن مصائب أمتهم تحول بينهم وبين الفرح الحقيقي .

كيف يفرح الناس وهناك ثلة من بنى جلدتهم نزع الله ما في قلوبهم من رحمة ، اغتصبوا الأرض والمال والجاه والسلطة ، وتحكموا في رقاب البلاد والعباد ، نهبوا البنوك وأقاموا الإمبراطوريات من أموال الشعب ، فهذا ملك الحديد يحتكر وينهب ويستغل ويذل ويسطوا ويقامر ويتآمر ولا يقوى الوزير ولا البرلمان ولا النائب عام ولا الشعب المقهور على إيقافه ومساءلته ومحاسبته ، ويلقى بتقارير أجهزة المحاسبات في سلة المهملات ، وهو عنتر زمانه وشهريار عصره لا يعجبه بشر وكأنه صنع من فولاذ لا يصدأ ولا يلين .. هيهات هيهات .

وهؤلاء ملوك الأسمنت يبيعون التراب بأسعار الذهب والماس ، يستغلون الفقراء ومعدومي الحيلة وراغبى الستر الذين يريدون العفاف والسكن ، فيتحكمون في الأسعار ويربحون أطنانا من أموال الشعب ، وهؤلاء ملوك وأباطرة المقاولات والإعمار ، يبنون قصورا فارهة ويستولون على ملايين الأفدنة بملاليم ليبنوا عليها قصورا وفيلات بملايين الجنيهات ليقيم فيها أرباب الاستغلال والنفوذ والعز والسلطان ، دولة فوق الدولة ، الوزراء لديهم عبيد ، والحكام عندهم أجراء ، والشعب من حولهم جرذان وقطعان لا يحمدون ولا يشكرون على الفتات الملقى من المسمى زورا وبهتانا الدعم والتعليم المجاني والصحة والموت بالجملة والقطاعي .

ملوك وأباطرة ، عيدهم ليس كعيدنا ، حتى جرائمهم ليست كجرائمنا ، الواحد منا إذا لفق له قضية ضرب بالقلم ، يعمل له محضر ويبيت مع أرباب السوابق والبلطجة والمجرمين ، ويساق كالبهيمة إلى النيابة مسحولا موجعا بالضرب والصفع والركل والتعليق والكهرباء والقطع والنفخ والجرح و... ، ويقابله وكيل النيابة بالإهانات والتلطيش والحبس أربعا على ذمة التحقيق ، ويقف أمام القاضي لا يسمع له ولا ينصت ، وبالكرم والصفح يحبسه ستة أشهر ، أو يقدم مصالحة مع المجني عليه ليتم وقف تنفيذ العقوبة ، ولا يفرج عنه إلا بعد ثلاث أيام أو أربع ، يوم للتسجيل وآخر للتصوير ، وثالث للعرض ورابع حتما لصحة الإفراج .

أما الملياردير مالك العبارة ابن الحسب والنسب ، الفخم الفخيم ، يغرق ألف وثلاثمائة مواطن في عرض البحر ، فينال من التكريم والتوقير والتهنئة على حصوله على أموال التأمين بالدولار واليورو ، ويخرج مزهوا مغترا من باب كبار الزوار تصحبه السلامات والدعوات ، ولا يحاسبه أحد كائنا ما كان ، لا نائب عام ولا حتى غفير عن الإهمال الجسيم ، وذرا للرماد في العيون توجه له النيابة غيابيا دون أن تسأله سؤالا واحدا تهمة التراخي في الإبلاغ عن غرق العبارة فيخرج منها بريئا معافا لا ذنب عليه .

وملك آخر من ملوك الزمان يتاجر مع الدولة بالمخالفة للدستور حال كونه عضوا بالبرلمان فيبيع ويشترى وترسو عليه المناقصات فيبيع الشعب أكياس وقرب الدم الملوثة ، وما أن يحبسه قاضى الجنايات العشماوى ، إذا بالقاضي يصاب بالأمراض ويموت في مستشفى درجة أولى يملكها أحدهم قبل جلسة الحكم بشهر ويعلن أبناءه وذويه أنه قتل فيكتبون في نعيه ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ... ) ، وفى جلسة الحكم الأخيرة يخرج البطل من القفص متهللا بالبراءة ليلقى التهاني من علية القوم .

وملك آخر من ملوك مدينتي تنصب عليه فاتنة مغنية جمعت من الأزواج والمغرمين أربعا لبناني ( زوج سابق) وعراقي (زوج لاحق) ومصري مغرور مفتون بنفسه وإماراتي من ذات الشاكلة ، وتهرب منه في سويسرا ولندن ودبي فيعرض عليها الزواج أو الموت ، فيرسل لها رجل حراسات خاصة ومهمات قذرة وأمن دولة بجهاز سيادي فينفذ مهمة الذبح لقاء مليونين من الدولارات ، فيقبض عليه وتفوح روائح قذرة من الخيانة والزنا والعلاقات المشبوهة والتي لو تمت جميعها في مصر ما جرؤ ضابط شرطة ولا وكيل نيابة أن يحرك ساكنا .

ملوك وأباطرة ، ركبوا جميعهم قطار حزب فاسد ولجنة سياسات متصهينة ، حكموا البلاد وملكوا رقاب العباد ، بالمال والقهر والجبروت فأفسدوا وأساءوا واغتصبوا حكومة وسلطة وبرلمانا وقضاء ، عبر سلسلة من الإجراءات أشهرها التزوير وتعديل الدستور والاعتقال وتلفيق التهم والمحاكمات العسكرية .

كيف يفرح الناس بالعيد ، وهناك رجال أعمال فاسدون وخونة يبيعون البترول والغاز الطبيعي للكيان المسمى إسرائيل ويا للعار يستخدم هذا الغاز في صناعة السلاح ووقود للدبابات وفى حصار شعبنا في فلسطين ، ويا للعار يشارك نظامنا الحاكم في فرض الحصار على أبنائنا في غزة ، بل يرتكب نظامنا الحاكم جريمة أخلاقية بفرض الحصار على قطاع غزة إرضاء لإسرائيل وأمريكا ، والأدهى والأمر يقتل نظامنا بالتعاون مع الأمريكان والصهاينة أبنائنا في غزة بتدمير الأنفاق التي من خلالها يتم عبور السلع والأدوية ، ويمنع المرور من معبر رفح باعتباره معبرا مصريا فلسطينيا .

كيف يفرح الناس بالعيد ، والأمريكان يحتلون ديارنا في العراق وأفغانستان ، ويتحكمون في قرارنا السيادي الداخلي والخارجي ، ويفرضون علينا حصارا إقليميا عبر التدخل في دارفور والصومال ولبنان وحرمان مصر من إدارة ملفها الإقليمي بما يفرض علينا واجب حماية أمننا القومي .

ومن عيد الفطر لعيد النصر وما هو بعيد ، إذ ضاع وهج هذا النصر ولم نحقق تقدما نقطف به ثمار النصر ، فنصر أكتوبر لكل من يعرف كان نتيجة طبيعية لإيماننا بالله ثم رغبتنا في تحقيق النصر والاستعداد ، وكان شعار الله أكبر هو مفتاح النصر ،ولم نكن وقتها أقوى من إسرائيل ولكن النصر كان بإرادة الله وحده وليس الضربة الجوية الأولى ولا العبور العظيم ، وهذا ما يؤمن به الشعب ، ولكن سرعان ما سرق منا الفرح وأصابنا الغم والحزن ، واستبدلنا قادة يوليو بقادة العبور ، واستلب مصيرنا قهرا وعنوة أبطال حرب أكتوبر ، والسؤال ، لماذا لم ينصب قائد الضربة الجوية في حرب 67 رئيسا لحكومة الكيان الإسرائيلي مدى الحياة ، بل إن قادة ما يسمى إسرائيل وإن كانوا جميعا من العسكريين وأجهزة الاستخبارات إلا أنهم وصلوا إلى مناصبهم عبر دهاليز السياسة والعمل السياسي ، أما عندنا فلم يصل رئيس ولا وزير إلى منصبه عبر آليات العمل السياسي ، بل وصل عبر آليات الجيش .

كيف يفرح الشعب ، وينوء كاهله بحكومة فاسدة غارقة حتى أذنيها في الكوارث ، من حريق القطار ، إلى غرق العبارة ، إلى الأغذية المتسرطنة إلى أنفلونزا الطيور إلى تصدير الغاز لإسرائيل إلى مصنع أجريوم إلى كارثة سقوط جبل المقطم على مساكن الدويقة إلى سقوط العمارات في لوران ومدينة نصر إلى انخفاض قيمة الجنية وزيادة معدل البطالة وازدياد العنوسة والفقر وتآكل الطبقة الوسطي ، وأخطرها سيطرة رأس المال على الحكم ، وغياب الديمقراطية واعتقال الأحرار والمحاكمات العسكرية والاستيلاء على الحكم بالقهر والقوة والبوليس والشرطة .

لذلك لا يفرح الشعب بالعيد ولا يشعر بنصر أكتوبر الذي أفرز طغمة فاسدة استأثرت بالسلطة والحكم والنفوذ رغما عن إرادة الشعب .



محمد السيسى المحامى