30.3.09

قمة الدوحة والتشرذم العربي




قلم / محمد السيسى

29-3-2009

يمر العالم العربي بمنعطف تاريخي بالغ الخطورة ، انقسامات وتوجهات وجبهات وتعارض سياسات ومصالح ، تهديدات وقرارات دولية واعتداءات وتهديد للثوابت ، تنازلات وتبريرات وتواطؤ ، ملفات وبيانات وشعارات وسجالات ، جميعها تنبئ بكوارث تحيق بأمتنا العربية شعوبا وحكومات .تأتى قمة الدوحة وعنوانها الرئيسي الانقسام في الموقف العربي ، ويتمثل فى غياب الدور والتمثيل المناسب لأكبر دولة عربية بعد إعلان الرئيس مبارك عدم مشاركته في القمة ، ويمثل مصر أضعف تمثيل بروتوكولي لا يتناسب مع حجم مصر ومكانتها ودورها الأقليمى والدولي في قمة المفترض أن يحضرها رؤساء وزعماء وقادة .وإذا تناولنا الانسحاب الرئاسي المصري من القمة لابد لنا من العودة للجذور ، ليستبين لنا عدة أمور :أولها : الخضوع التام للإملاءات الأمريكية والصهيونية فيما يتعلق بتسوية القضية الفلسطينية ، وقد ظهر هذا جليا أثناء العدوان الصهيوني على غزة ، وإعلان تسيبي ليفنى الحرب من القاهرة قبل 48ساعة من إطلاقها على قطاع غزة المحاصر ، وحملة التبرير للعدوان الصهيوني على غزة والهجمة الإعلامية ضد المقاومة وحماس والحكومة الشرعية المنتخبة بقيادة إسماعيل هنية .ثانيا : التواطؤ الصريح مع العدوان بفرض الحصار ومنع الغذاء والدواء _ ولم يسمح بالدواء إلا بعد بدء العدوان بأيام_ وسيارات الإسعاف ، وتدمير الأنفاق ، ومنع لجان الإغاثة والأطباء من الدخول – وسمح لعدد من الأطباء على مسئوليتهم الشخصية بعد بدء الحرب البرية _ ، ومنع إدخال الجرحى والمصابين إلا عدد لا يمثل 5% فقط من إجمالي الجرحى .ثالثا : التحريض ضد قمة الدوحة الأولى ( قمة غزة ) حتى لا تحصل على غطاء عربي رسمي .رابعا : رفض المصالحة التي تمت شكليا في قمة الكويت بين زعماء المملكة العربية السعودية وسوريا وقطر ومصر ، والتي اقتصرت على ( تبويس اللحى) دون مصالحة حقيقية تفضي إلى حل للقضية الفلسطينية وتعيد اللحمة بين الدول العربية ، وتراشق الاتهامات بين مصر وقطر حول العلاقة مع طهران والموقف من القضية الفلسطينية .خامسا : رفض مصر حضور أمير قطر للقمة المصغرة التي دعا إليها خادم الحرمين الشريفين فى الرياض وحضرها الرئيس بشار الأسد وأمير دولة الكويت إلى جانب الرئيس مبارك .سادسا : الموقف من إيران : لا نجد مبررا للتشدد المصري تجاه إيران واستمرار الهجوم عليها سواء من النظام الرسمي المصري أو السعودي ، بل إن التحريض الإعلامي المصري ضد إيران هو هجوم في صالح الأجندة الإيرانية في المنطقة ، فعندما تهاجم مصر إيران بدعوى دعمها المادي والسياسي للمقاومة الفلسطينية خاصة حماس والجهاد في قطاع غزة دون محاولة تقديم ولو دور مساند إعلاميا أو سياسيا للمقاومة من العالم العربي السني ، ومن النظام المصري تحديدا يعطى المبرر المشروع للمقاومة العربية السنية في غزة إلى التعاطي إيجابيا مع الدعم العلني السياسي غير المشروط من إيران ، وهذا رأيناه في العدوان على غزة ، إيران تدعم سياسيا على الأقل والنظام الرسمي المصري يحاصر ويتواطأ مع الاحتلال الصهيوني ، وطوال الثلاث سنوات الماضية تمارس مصر دور الشرطي لصالح الكيان الصهيوني فتمنع الدواء والغذاء والسفر والعلاج والتعليم والمعونات عن الشعب الفلسطيني المحاصر إلا إذا سمح به الكيان الصهيوني ، وإعلان مصر تمسكها باتفاقية المعابر التي من المفترض أن تخدم الشعب الفلسطيني لا أن تحاصره ، ورفضها الشعب الفلسطيني ولا يتمسك بها سوى الاحتلال الصهيوني وسلطة عباس المفرطة في حقوق الشعب الفلسطيني ، والغرض منها حبس مليون ونصف المليون إنسان بلا مأوى ولا طعام ولا ماء ولا كهرباء ولا غاز ولا علاج .وإزاء هذا الموقف من إيران تمتنع مصر من حضور القمة حتى لا تجلس مع دولة عدو من وجهة نظر النظام المصري ، بينما النظام المصري مفتوح على الكيان الإسرائيلي يستقبل أولمرت بالأحضان والقبل ويتهادى وزير خارجيته مع ليفنى وكأن الشعب الفلسطيني مجموعة من جرذان تقتل ، ومن يدعم الفلسطينيين دعم مقاومة وصمود فهو يتحرك بأجندة معادية .العيب ليس في إيران ، والتي لا ينكر أحد أن لها مشروعها في المنطقة ، مشروع سياسي ، وديني ، وعسكري ، ولا يمكن أن نلومها ، بل نلوم أنفسنا ، أين مشاريعنا العربية؟ بل أين مشروعنا المصري ؟ لقد تهنا وسط مشاريع المنطقة ، المشروع الأمريكي الشرق أوسطي ، والمشروع الصهيوني ، والمشروع التركي ، والمشروع الإيراني ، ولا يوجد مشروع عربي يحفظ ماء الوجه لأمتنا ، بل صراعات داخلية ومحاولة الهيمنة على الكراسي والتوريث ، والقمع للمعارضة ، ومحاربة الحريات العامة ، وملئ السجون بالشرفاء ، هذا هو المشروع المصري والعربي .كل هذا أسهم بشكل مباشر في امتناع الرئيس مبارك عن الحضور إلى قمة الدوحة ، وإرسال بعثة من صغار الموظفين الدبلوماسيين بالخارجية المصرية ويرأسها الوزير مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والبرلمانية .ومما لا شك فيه أن غياب مصر الفاعل يؤثر بالسلب على قدرة الجامعة العربية في حل القضايا العالقة وأهمها إعمار غزة ، والمصالحة الفلسطينية ، والاهتمام بالقضية الفلسطينية ، وتخلى مصر عن نتائج القمة باعتبارها قمة غير مرضى عنها ، وهذا كله يصب في صالح العدو الصهيوني والتبعية للمشروع الأمريكي في المنطقة وتظل مصر هي عراب للمخطط الغربي الأمريكي الصهيوني ، وما قمة إعمار غزة المنعقدة في شرم الشيخ منا ببعيد .أيضا ، تأتى القمة العربية ورئيس عربي مطلوب القبض عليه وتسليمه ، والمطلوب من القمة العربية إصدار بيانات شجب وإدانة واستنكار ، وما على الدولة العربية المستهدفة إلا البحث عن حل يؤجل طلب التوقيف وكأن الرؤساء العرب تلاميذ يجب أن يعطوا وجوههم للحائط ويرفعوا أيديهم طوال الحصة الممتدة حتى يأتى القائد الهمام بالعصا ويمدهم على أرجلهم كالتلاميذ .المحكمة الجنائية الدولية تطالب بالقبض على البشير ، بتهم تتعلق بارتكابه جرائم ضد الإنسانية والاغتصاب والقتل والتهجير ، ليكون البشير ثان رئيس دولة عربية تتم محاكمته وهو فى السلطة ، والأول تم إعدامه بعد مسرحية المحاكمة الهزلية في يوم عيد الأضحى للمسلمين ، والبشير السوداني هو الرجل المارق عن الفلك الأمريكي الصهيوني ، لذا تجب معاقبته ، وغدا سنسمع عن رئيس آخر رفض التوقيع على صك الخضوع والانصياع لأمريكا وإسرائيل فيتم محاكمته للخروج على مقتضى الواجب الوظيفي لرؤساء الدول المشمولين بالرعاية الأمريكية والصهيونية .وماذا تفعل الجامعة العربية إزاء مشكلة السودان في ظل هذا التشرذم العربي ، والسودان والبشير يحتاجان إلى تكاتف رسمي وشعبي عربي للوقوف ضد الهجمة الأمريكية الصهيونية ، وإذا تذكرنا سيناريو غزو العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل، وتم غزو العراق والقضاء على نظامه السياسي وتفتيت وحدته وبعد ست سنوات تبين عدم وجود أسلحة دمار شامل وعدم ثبوت علاقة صدام حسين بالإرهاب وهى تلك التهم التي اعتذر عنها أخيرا جورج بوش وكولن باول ، علينا أن نحافظ على السودان من شرور الاحتلال والتقسيم وتهديد وحدته واستقراره بدعوى المحكمة الجنائية الدولية وقضية دار فور ، ولكن أنى للجامعة العربية التي لم تفلح حتى اليوم فى العراق أن تفلح في السودان .السودان يحتاج أكثر من الشجب والاستنكار ، يحتاج إلى منظمات أهلية عربية ، وعمل طوعي عربي وإسلامي ، وعمل حكومي رسمي عربي لتنمية السودان ، ويحتاج إلى سلاح ودفاعات أرضية وصواريخ دفاعية ليصد الهجوم المتوقع على أراضيه .ويكفى تأكيدا لتلك التهديدات على السودان قيام الطيران الصهيوني بشن غارة على 17 قافلة سودانية وباخرة بميناء بور سودان ، شرق السودان وقريبا من الحدود المصرية بدعوى حمولتها لأسلحة متوجهة إلي قطاع غزة تحت غطاء محاربة الإرهاب ، وقتل في هذه العملية أكثر من ثمانين قتيلا من السودانيين ، وبعيد عن نفى أو تأكيد الرواية الصهيونية ، من أعطى الحق للكيان الصهيوني الإرهابي خاصة بعد محرقة غزة أن يعتدي على دولة عربية داخل أراضيها عدوان عسكري مسلح وتقف الدول العربية موقف الساكت الأخرس ، ولا يهمنا إن سكت السودان ، فلعله في صدمة من عدم وجود دفاعات أرضية ، وجيشه ضعيف عددا وعدة ، وهو بسبب صراعاته الداخلية ربما لم يحتاج إلى دفاع جوى قوى رغم جوار السودان المنازع له دوما ، والاعتداء على السودان يمثل اختراقا صريحا للأمن القومي العربي والأمن المصري تحديدا .لم يخرج العرب من العدوان على غزة إلا منقسمين ، فماذا هم فاعلون إزاء العدوان الصهيوني على السودان ، وكلنا يعلم من قبل أن العدوان الأمريكي على السودان واستهداف مصنع الشفاء للأدوية كان الهدف منه هو منع السودان من تحقيق تنمية اقتصادية وصناعية خاصة في مجال صناعة الدواء ، الآن السودان والعالم العربي بكاملة مستهدف بالاحتلال العسكري المباشر والتقسيم وإقامة قواعد عسكرية دائمة وعلنية في كافة مناطقه وقطاعاته الحيوية وأهمها الطاقة والبترول ، والمياة والجبال الإستراتيجية والممرات المائية والثروات من المعادن والذهب ، وكل هذا فى السودان .لا نبالغ إذا قلنا أن السودان بما يتمتع به من موقع جغرافي وثروات طبيعية قادر على أن يكون سلة غلال العالم ، ولهذا هو مستهدف .القمة العربية تنعقد ، ولا يوجد في نفق القضية الفلسطينية بريق أمل للحل ، طبعا هناك خياران ، أحدهما السلام ذاك الخيار الإستراتيجي للنظم الحليفة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني ، وهذا الخيار محكوم عليه بالفشل ، فلا الكيان الصهيوني قادر على تنفيذه ، وبناء المستعمرات على أشده ، والجدار الفاصل يبتلع الأراضي الفلسطينية ، وتهويد القدس وهدم البيوت العربية وتهجير العرب من القدس الشرقية لتتحول القدس إلى كانتون وجيتو صهيوني يهودي خالص ، ثم السيناريو الصهيوني لبناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى ، كل هذا وأصحاب الخيار الإستراتيجي يتناوبون السكر على موائد حل القضية الفلسطينية .أما الخيار الآخر ، الذي أثبت قدرته على إحداث ثقب في جدار التسوية ، وأثبت أن المقاومة هي السبيل الوحيد لتحرير الأرض الفلسطينية والقدس الشريف ، وهو الخيار الذي يجمع عليه غالبية الشعب الفلسطيني ويلقى ممانعة قومية من دول الطوق الحليفة للصهاينة .هل تقدر القمة العربية على فرض واقع جديد يرضخ للمطالب الشعبية العربية والفلسطينية والسودانية ضد المخططات الصهيونية الأمريكية ؟لا آمل كثيرا في الأنظمة العربية ، ولذلك فالحل بأيدي الشعوب ، فلنتمسك بخيار المقاومة ضد الأنظمة الرخوة والهشة والضعيفة إلا على شعوبها، ضد مشاريع الهيمنة والعولمة والاحتلال والاغتصاب والسطو ، ضد محور الشر أمريكا والكيان الصهيوني وإنجلترا وفرنسا ومن والاهم .

No comments: