9.11.07

هل تصنع أنابوليس دولة فلسطينية ؟



هل تصنع أنابوليس دولة فلسطينية ؟
هل تصنع أنابوليس دولة فلسطينية ؟
بقلم / محمد السيسى المحامى


الولايات المتحدة تنفرد بقيادة العالم ، ولكنها باتت عاجزة عن فرض مشروعها بالقوة ، وهى تعيش مأزق الفشل في العراق، وتريد أن تشعل المنطقة بحروب طائفية، وتجهز لضربة استباقية لإيران لإجهاض مشروعها النووي، وتحمل على عاتقها حماية "إسرائيل "، وقد صرحت كونداليزارايس أكثر من مرة أن أمن إسرائيل مسئولية الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه لا يمكن ترك إسرائيل تصارع من أجل البقاء وحيدة، وهى تريد من الأنظمة العربية الخضوع للمشروع الأمريكي في المنطقة مقابل غض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان ، وقد خفت الحديث عن الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي.
مؤتمر أنابوليس تغطية على الحرب الأمريكية القادمة، التي يعتقد أنها ستوجه إلى إيران وحزب الله في جنوب لبنان وإلى قطاع غزة وربما تمتد إلى دول أخرى مرشحة كدول الخليج وسوريا، وفى أتون هذه الحرب المستعرة في الأفق يتم تصفية القضية الفلسطينية على أرضية ها هو المتاح ولا غير ذلك.

والدعوة الأمريكية لعقد مؤتمر أنابوليس هو تأكيد من الإدارة الأمريكية على إصرارها الإنفراد بالملف الفلسطيني في ظل الانقسام العربي والتشرزم الفلسطيني الحاصل في الداخل والخارج، بل إنها تسعى إلى استمرار هذا الانقسام لتنفرد بفريق أوسلو بعيدا عن الشعب الفلسطيني، وبالتأكيد بعيدا عن الشرعية الفلسطينية الممثلة في حكومة حماس.
والولايات المتحدة حريصة أيضا على البعد عن المؤسسات الدولية خاصة الأمم المتحدة لإبعاد إسرائيل عن الحرج من عدم تنفيذ جميع القرارات الدولية الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وأهمها القرار 242 والذي يعنى انسحاب إسرائيل إلى حدود حزيران 1967، وما يطلق عليه الزعماء العرب سابقا الأرض مقابل السلام.

هل توجد إرادة أمريكية بصنع دولة فلسطينية ؟
بوش يرى أنه من الأهمية المسارعة بميلاد مسخ فلسطيني بلا رأس أو جسد ليحشر فيه الفلسطينيون والفرصة سانحة في ظل حكومة غير شرعية ومجلس تشريعي معطل وحصار عربي ودولي وفلسطيني وإسرائيلي على قطاع غزة وعلى الشرعية الفلسطينية، وإيهام العالم أجمع بأن هناك شريكا يمكن التفاوض معه ومن هنا يمكن دعمه لتصفية القضية الفلسطينية.
السلطة الفلسطينية من أثر الخضوع للهيمنة الأمريكية الإسرائيلية مكفهرة الوجه لا ترى إلا بعين عدوها تنساق وراء المؤتمر وكأن فيه كعكة تسمى السلطة، ولكن سلطة على ماذا، لا الشعب الفلسطيني موافق على التفريط في حق العودة ولا على القدس ولا على السيادة عن كامل التراب الفلسطيني، وبالتالي ستحدث فتنة داخلية فلسطينية مستعرة لن يطفأها إلا توحد الفصائل الفلسطينية على هدف وطني واحد هو المقاومة من أجل استرداد الحقوق المسلوبة للشعب الفلسطيني وأهمها القدس والأرض واللاجئين.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن يستعمل المؤسسات الفلسطينية المعطلة منذ خمسة عشر عاما، ويظن أنه برئاسته لها هو صاحب القرار الوحيد فيها، فأين ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر القاهرة مارس / آذار 2003، والذي من أهم مقرراته إعادة بناء وهيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، ولكن الأمريكان وإسرائيل يريدان القضاء على المنظمة، التي كانت فيما مضى رمز النضال والممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، أما وإنها الآن في حكم الميتة سريريا، فمن حق أبو مازن وحده أن يتبوأ منصب رئيسها ليحكم وليتفاوض من خلالها باعتبار أن الشعب الفلسطيني المقاوم بالداخل قد لفظ فتح واختار مشروعا آخر بقيادة حماس التي تتمسك بكافة الحقوق للشعب الفلسطيني وما تزال تمسك بالبندقية مع الاستعداد لهدنة طويلة، وترفض في ظل هذا الضعف التنازل عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لقاء سلطة وهمية، ومن يظن أن مؤسسات السلطة الوهمية والمنظمة المشلولة تغطيه فهو عريان.
كيف يمكن أن تدير صراع بعقلية مضى عليها الزمن؟
المرحوم بإذن الله الزعيم ياسر عرفات سار خلف المفاوضات ظنا منه أنه سيجد ضالته التي يبحث عنها بعد أن أنهكه الجهاد والنضال والحصار والمقاومة، حتى وصل به المقام على مؤتمر كامب ديفيد برفقة باراك وبرعاية كلينتون، إلا أنه وجد نفسه محاطا بسياج اتفاقية للتنازل عن حق اللاجئين في العودة وعن القدس فرفض وارتضى أن يعيش محاصرا مقاوما في رام الله، داخل المقاطعة حتى وصلت إليه الدبابة الإسرائيلية عشية إعلان العرب عن مبادرتهم للسلام من بيروت في إشارة استهجان إسرائيلية بالسلام العربي ولم يستطع القادة العرب حتى حماية عرفات وهو محاصرا في غرفته والدبابة الإسرائيلية تحيطه من كل جانب، إلى أن تجرع السم المدسوس عليه من بعض المتآمرين على الشعب الفلسطيني والذين لا زالوا حتى يومنا هذا يتآمرون على وحدة الشعب الفلسطيني وينقلبون على الشرعية ويريدون الاستئثار بالسلطة لصالح المشروع الأمريكي الإسرائيلي.
مؤشرات خطيرة لتنازلات أخطر في مؤتمر أنابوليس: إسرائيل ترفض الاعتراف بأي حق للشعب الفلسطيني، وتعرض عليهم تبادل الأراضي وتهجير العرب من داخل إسرائيل إلى الضفة مقابل ترك المستوطنات، والغريب أن يصرح أحد قادة المفاوضات " أحمد قريع " بأنه يجب أن يعيش الفلسطينيون جنبا إلى جنب مع اليهود، ولم يذكر إسرائيل، باعتبار أنه يوافق على دولة يهودية نقية داخل ما يسمى إسرائيل، ويوافق ضمنيا على ترحيل العرب إلى داخل الأراضي الفلسطينية في تهجير جديد واعتراف صريح بالتنازل عن حق عودة اللاجئين.
وقد سبق العرب هذا بتنازل آخر عن حق العودة في المبادرة العربية والتي تحدثت عن اتفاق الطرفين عن حل عادل لقضية اللاجئين في إشارة لإمكانية تعويض اللاجئين عن حق العودة.
السياسي المحنك طبيب يقرأ الفروق الدقيقة في درجات الحرارة، فلا يمكن للمريض الفلسطيني المرتفعة حرارته أن يترك العلاج من مرضه ويبحث عن سم يفتك به لينتحر وهو الأحوج إلى الدواء.ما يفعله عباس انتحار سياسي له ولرفاقه، وهم يبحثون عن وهج الشهرة والرئاسة والسلطة وليذهب الشعب الفلسطيني الفقير المريض إلى الجحيم.
على العالم أن يدرك أن هناك أغلبية فلسطينية لا توافق على مؤتمر أنابوليس، وليس هذا استنتاج من انتخابات التشريعي الفلسطيني مطلع العام 2006، وإنما هو قراءة للواقع السياسي الفلسطيني، فقطاع غزة بأغلبية ساحقة تساند حماس ومشروعها وترفض مؤتمرات الخيانة في أنابوليس، والضفة تعيش مرحلة غليان صعبة، يمارس فيها عباس وزمرته القتل والتعذيب والاعتقال بالتعاون المباشر مع إسرائيل ضد شعبه لفرض سطوته وبأسه ولا توجد له شعبية تؤيده، ولذلك تعيش الضفة وضعا امنيا مأساويا قد يعجل بانفلات خطير لا تعرف نتائجه.
والعالم يدرك خاصة الأوروبيين أن عباس لو قدر له التوقيع على مفاوضات الحل النهائي لن يستطيع فرضه على الأرض وستكون العواقب وخيمة، وحتى إسرائيل لم تعد عباس بشيء وإنما طالبته تنفيذ ما اتفق عليه في خارطة الطريق وهو تصفية المقاومة وجمع السلاح والقضاء على الكتائب العسكرية المسلحة بدعوى نبذ العنف، وعلى الجانب الإسرائيلي من حق إسرائيل أن تقتل وتغتال الأراضي وتبنى الجدار وتحاصر الشعب الفلسطيني وتقتحم المخيمات وتدك البيوت على أصحابها بدعوى حماية جنودها من صواريخ القسام وسرايا القدس.
إسرائيل تريد من أنابوليس التطبيع مع العرب دون ثمن، وهى على استعداد في أي وقت للعودة للمربع واحد، فلن تلتزم إسرائيل تجاه العرب أو الفلسطينيين بشيء، وتريد في مقابل الموافقة على الجلوس على مائدة المفاوضات التطبيع مع العالم العربي وفتح سفارات ومكاتب تمثيل وتبادل ثقافي وتجارى ، وللأسف الشديد يسارع العرب إلى فتح قنوات اتصال مع إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة.
مؤتمر الفصائل الفلسطينية سينعقد بالتزامن مع مؤتمر أنابوليس، في إشارة إلى رفض الأخير، والتأكيد على أن الفصائل الفلسطينية صاحبة مشروع وطني وحدوي يجمع شتات الشعب الفلسطيني تحت قيادة واحدة ترفض التفريط في الحقوق، وإذا كان عباس يأبى أن يجتمع مع شعبه والفصائل الممثلة لوحدة شعبه فالفصائل قادرة باتحادها على الثوابت والوفاق الوطني العام على خلق قيادة جديدة للشعب الفلسطيني وحينها إما نبنى المنظمة ويعاد تشكيلها بما يتفق وخيارات الشعب الفلسطيني، أو تخلق منظمة جديدة معبرة عن آمال وتطلعات الشعب الفلسطيني وهو قرار خطير يحتاج إلى تكاتف كل الوطنيين الأحرار في العالم للدفاع عنه والالتفاف حوله.
حماس لن تأتى إلى بيت الطاعة، حتى ولو تنازل عباس عن مقولته الشهيرة أنه على حماس أن تنهى الانقلاب وتسلم المقرات الأمنية وتعتذر للشعب الفلسطيني، فحماس ليست خيارا حمساويا وإنما هي خيار الشعب الفلسطيني ويوم أن تتخلى عن المقاومة والجهاد من أجل التحرير سيتخلى عنها الشعب الفلسطيني كما تخلى اليوم عن كثيرين من فتح.
أكذوبة اتصالات حماس مع إسرائيل دافعها التشويش، حتى يقال أن حماس تتفاوض مثلما يتفاوض المتآمرون على مصالح الشعب الفلسطيني، وهذه أكذوبة كبرى، فلا توجد قنوات للمفاوضات، وآلا ما كان حصار غزة، وما كانت عملية أسر شاليط.

وحماس تؤكد أن من أسر جلعاد شاليط يستطيع أسر غيره، ولن يحرر الأسرى إلا بمزيد من خطف الجنود الإسرائيليين لمبادلتهم بالأسرى الفلسطينيين.
ختاما: لا أنا بوليس ولا كامب ديفيد ولا واى ريفر، ولا واى بلانتيشن، ولا مدريد ولا حتى شرم الشيخ يمكن أن تعيد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأنها لن تعود إلا بالبندقية والبارود.

No comments: