
يا نووى يا جامد
نصحه خبراؤه بالإعلان عن تلك الفرقعة النووية ليستمد منها شيئا من الشرعية ولكن هيهات فلا الشعب يصدق ، ولا النظام جاد فيما يقول .
بقلم / محمد السيسى المحامى
منذ أن أعلن الرئيس مبارك عن نيته إصدار قرار بتشكيل المجلس القومي للاستخدامات السلمية للطاقة النووية ، والكلام لا ينتهي عن مبادرة الرئيس ومكانة مصر العالمية وقدراتها النووية بعلمائها ومراكزها ، وكأننا فجأة وبدون مقدمات أصبحنا دولة نووية عظمى .
الطاقة النووية هي طاقة نظيفة ، ولا مناص من استخدامها ، بل كان من الأولى المسارعة إليها والأخذ بها منذ عقود ، ولكن الحديث الآن له مغزى آخر .
لننظر إلى العالم من حولنا ، بل إلى المنطقة التي نعيش فيها نجد أننا تخلفنا كثيرا عن الحشرة النووية اللاصقة في أقفيتنا ولا نجرأ على المساواة بها .
الكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين المسمى " إسرائيل " يمتلك وفق ماأعلنه أكثر من مائتي رأس نووي ويستخدم الطاقة النووية في كافة الأغراض السلمية والعسكرية ولم يوقع على أية اتفاقيات لحظر انتشار الأسلحة النووية .
وإيران تعمل في دأب منذ أكثر من ثمانية عشر عاما على تطوير برنامجا سلميا "أو عسكريا" للطاقة النووية ولم تنته منه بعد وحاربت العالم كله وتعرضت للحصار والتهديد من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورئيسها المصري أحمد البرادعى ، وكذلك لضغوط أمريكية وأوروبية هائلة ، وتهديد إسرائيلي بضرب مفاعلاتها النووية ومع ذلك تستمر بحذر شديد وبالتأكيد تتخذ من الاحتياطيات الأمنية والاستراتيجية لتحافظ على ما أنجزته في هذا المجال .
ودول أخرى سبقتنا في هذا المجال مثل باكستان والهند ونحن دائما كما يقول المثل " نكفى على الخبر ماجور " ، ونتوارى خلف أوهام نظامنا السياسي والأمني بأننا لا نريد أن يحدث عندنا ما حدث لمفاعل تشيرنوبل عام 1984 .
الآن وفجأة تأتى الجرأة العجيبة لنفس النظام ليعلن عن دخول مصر عصر الطاقة النووية .
والسؤال : ما المغزى من هذا الإعلان ؟
إذا كانت الإجابة أن مصر قد تأخرت كثيرا في هذا المضمار وأنها قد بدأت الدخول فيه منذ الخمسينات وقبل أن تفكر فيه دول مثل باكستان أو العراق أو إيران أو "إسرائيل" ، ولولا الحروب ومخاطر التسريبات النووية لكانت قطعت شوطا هائلا في هذا المضمار وتفوقت على الكثير من دول العالم لما تتمتع به مصر من ثقل عالمي ووزن دولي مرموق وما لديها من علماء يستطيعون الدخول بمصر إلى مصاف الدول المتقدمة والعظمى في هذا المجال ، فلا بد لنا أن نسأل ولماذا جبن النظام الحالي على الأقل ، وقد استمر قرابة الثلاثين عاما دون أن يطلق طلقة واحدة تجاه "إسرائيل " ، ولم يدخل في حرب على الإطلاق ، ولم يهتم إلا بالتوافه من الأمور ، وكانت الفرصة متاحة من قبل وبكلفة أقل ، و"إسرائيل " تنتج الطاقة النووية وتستغلها في الأغراض العسكرية .
للأسف الشديد ، النظام الحالي على شفا الإفلاس السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني ، وإعلانه دخول عصر الطاقة النووية أشبه بإعلانه دخول عصر الأقمار الفضائية ، وكأننا صنعنا القمر وأطلقناه من قاعدة سيناء للأقمار الصناعية .
والنظام يحاول في مرحلة التوريث أن يبحث له عن أية شرعية ، فالاستفتاء على تعديل الدستور عام 2005 و2006 مزور ولم يشارك فيه سوى 3% فقط طبقا لإحصاء نادى القضاة ، وانتخابات رئيس الجمهورية الأخيرة مزورة ، والاستفتاءات على انتخاب رئيس الجمهورية منذ عقود كلها مزورة ، وانتخابات مجلس الشورى الأخيرة لا علاقة لها بالانتخابات على الإطلاق ، ولا توجد للنظام أية شرعية للاستمرار أو التوريث ، فنصحه خبراؤه بالإعلان عن تلك الفرقعة النووية ليستمد منها شيئا من الشرعية ولكن هيهات فلا الشعب يصدق ، واسألوا توشكي وما حدث فيها ، ولا النظام جاد فيما يقول .
مدرس العلوم في المدارس الابتدائية أو الثانوية لا يزال يلبس القميص "المكرمش" والبنطلون الزيتى المبقع والحذاء البني المترب ويمسك بطباشير يلوث الهواء وعصا يضرب بها المائة تلميذ الوقفين في الفصل بدون مقاعد لينصتوا في حصة لا تزيد عن نصف ساعة ، والجامعة تخرج أنصاف متعلمين يحصلون على شهادات ورقية لا تساوى الحبر المكتوب بها ، والخارج من الجامعة يجد نفسه في الشارع بلا وظيفة أو مركز أبحاث أو وسيلة مواصلات أو .. ، فيذهب إلى النيل ليلقى نفسه فيه شهيدا لواجب الوفاء للوطن والنيل ، أو يذهب إلى عرض البحر مفعما بأمل الهجرة غير الشرعية إلى سواحل إيطاليا ليغرق في حب مصر .
البرنامج النووي المصري الطموح ، يحتاج أولا إلى نظام سياسي غير هذا النظام ، يؤمن أول ما يؤمن بالحرية فلا يعتقل العلماء والباحثين ويلفق لهم التهم والمحاكمات العسكرية الظالمة ، ويحترم أحكام القضاء ، ويؤمن بالعدالة والمساواة فلا يأتي أولو الحظوة أبناء الكبار والمسئولين لينالوا ما لا يستحقوا فيحصلوا على الوظائف المرموقة في القضاء والشرطة والبترول والجامعات والوزارات والبزنس ، ويلقى أصحاب المواهب الفذة والقدرات العلمية إلى الشارع ليتحول خريج العلوم والفيزياء والكيمياء والطاقة النووية إلى بائع بطاطا أو ملمع أحذية ، وهى مهن شريفة لا ننتقص من قدر أصحابها ، ويحترم كرامة المواطن وحقوق الإنسان فلا يهان في قسم شرطة ويضرب بالنعال وتوضع العصي في مؤخرته ليقول أنه امرأة ، ولا تلفق له قضايا أمثال البلطجة والسلاح والمخدرات وهو منها بريء ، ويعلى من شأن العلم والعلماء فيرفع مكانتهم ولا يفضل عليهم لاعبي الكرة – ولا ننتقص من قدرهم- ، والمخنثين من الراقصين والراقصات والمطبلين والمزمرين ، ويؤمن بتنمية الفرد الصالح القادر على العطاء ، ويؤمن بالحفاظ على هذا الوطن من المزايدين والناهبين لثرواته الذين اعتدوا على المال العام وسرقوا البنوك وباعوا الشركات بثمن بخس .
حتى تدخل مصر عصر الطاقة النووية لا بد أن يخرج الحزب الوطني بفاسديه ومفسديه من الحياة السياسية ، وقتها يمكن أن نعلن عن برنامج مصر النووي السلمي والعسكري للحفاظ على التوازن في المنطقة ، وشكرا

No comments:
Post a Comment