3.11.07

ما ذا يحدث في مصر ؟


ما ذا يحدث في مصر ؟
(البلد رايحة على فين)
بقلم / محمد السيسى المحامى

كثر الحديث في الشهور بل ربما الأسابيع القليلة الماضية حول المستقبل المجهول والغامض لمصر وللمصريين ، وتكثر النكات والقفشات والسخريات من الأحوال المضطربة للسياسة المصرية في الداخل والخارج ، والغموض يكون أكثر شراسة إذا ما تناول ملف الرئاسة والتوريث أو الانتقال السلمي للسلطة .
ولن ننساق وراء الشائعات المغرضة والتأويلات التآمرية عن مدى قدرة الرئيس محمد حسنى مبارك على إدارة شئون البلاد ، أو تحكم بعض المقربين منه في الاستقلال ببعض الملفات الأمنية أو الاقتصادية أو الخارجية بما يؤكد في النهاية عدم اتساق النظام وخلخلته بل وضعفه الشديد .
وعندما نتحدث عن صحة الرئيس باعتباره رئيسا للمصريين منوط به رعاية مصالحهم والدفاع عنها طبقا للدستور ، فلا بد أن نستقى المعلومات من مصادر موثقة تبلغنا كمواطنين مهمومين بشئون الوطن بآخر المستجدات حول صحته ونشاطه ، وحينما تنعدم مصادر المعلومات تنشط الشائعات والتسريبات التي يكون بعضها بلا شك مغرضا وذا هدف واضح وهو ضرب الاستقرار ، وتتأكد مثل هذه الشائعات خاصة إذا غاب فترة طويلة نسبيا على غير العادة ، فتختفي صوره من نشرات الأخبار ، وتنعدم لفاءاته الدبلوماسية مع الوافدين على مقر الرئاسة من مسئولين ومبعوثين ، ومع بلوغه سن الشيخوخة ، وذهابه للعلاج فى الخارج ، كل هذا يقلق المصريين على المستقبل ، ولا يمكن أن يتعامل المصريون مع أمر بالغ الخطورة على مصالحهم في ظل انعدام الرؤية الواضحة والدستورية لمواجهة ما قد يحدث فجأة – لا قدر الله – من غياب الرئيس ، وهو الأمر الذي لا يمكن معالجته أمنيا أو قضائيا بإحالة عدد من الصحفيين إلى القضاء ومحاكمتهم على ترويج الإشاعات ، وهو ما حدث مع رؤساء التحرير الأربعة إبراهيم عيسى رئيس تحرير الدستور ، ووائل الإبراشى رئيس تحرير صوت الأمة ، وهما محسوبين على المعارضة ، وعبد الحليم قنديل رئيس تحرير الكرامة ، وعادل حمودة رئيس تحرير الفجر ، وكلها صحف مستقلة ، وصدور أحكام قضائية بحبسهم وهناك تهديد بحبس آخرين ، الأمر الذي يفسر بمدى تخبط النظام وعدم قدرته على ضبط إيقاع حركته في الشارع فيتخبط يمينا ويسارا فتأتى ضربة هنا وهناك ، مرة اعتقال عدد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين والتحفظ على أموالهم ومحاكمتهم عسكريا أمام قضاء استثنائي غير مختص لا تتوافر أمامه أبسط ضمانات التقاضي ، بتهم تتعلق بغسيل الأموال يعلم القاصي والداني وحتى النظام نفسه أنهم براء منها ، ومرة أخرى تأتى الضربة لصحفيين لا يملكون سوى القرطاس والقلم والرأي والحجة والبرهان .
وتتشابك بل وتتعقد الأمور بمحاولة بعض المقربين من النظام ركاب موجة الدفاع عنه فإذا به يورطه في أزمة هو في غنى عنها ، ومن فداحة التسرع والتخبط واللامبالاة يأتي شيخ الأزهر ، وكلنا نجله ونحترمه ، ربما لمكانته الدينية والتي نحرص على عدم النيل منها حتى لا ننساق وراء كل متربص بالأزهر والدين ، ولمكانته العلمية العالية التي نعتز بها ، وهو من قبل كان مفتيا للديار المصرية وله في سابق عهده فتاوى عظيمة ، إلا أنه وفى حضور الرئيس احتفالا بليلة القدر يفاجئنا بفتوى غريبة وشاذة تطالب بجلد هؤلاء الصحفيين الذين تناولون الإشاعة في حق الرئيس ، وطبعا قد تكون هذه فلتة لسان قالها في حضور رئيس البلاد الذي عينه شيخا للأزهر ، إلا أن الغريب أنه تمسك بها وقال أنه لا يقصد أحدا بعينه ، وإنما قصد كل مروج للإشاعة وحكمه الشرعي في الإسلام أن يجلد من باب التعزير .
والأغرب أن شيخ الأزهر لم ينطق ببنت شفه على كثير من الحوادث التي تقع ويقول دائما أنه لم يُسأل عنها ، فتزوير الانتخابات الذي تم في انتخابات الشورى ومن قبلها مجلس الشعب على الملأ وانتشر خبره فى الآفاق عبر الصحف والفضائيات لم يعلق عليه ويقول أنه حرام ، بل التعذيب المنتشر في أقسام الشرطة ومقرات أمن الدولة لا يفتى بشأنه ، وإقامة مسابقات ملكات الجمال في مصر لا يفتى بشأنها ، وهو آخر من يفتى إذا كانت الفتوى تغضب الحاكم ، ولن نتحدث عن إباحته فوائد البنوك بدعوى عدم الاستغلال ، ودعوته إلى الاستفتاء على تعديل الدستور رغم المعايب الواردة فيه والإفتاء بحرمة مقاطعة الاستفتاء باعتباره كتمان للشهادة ، وغيرها .
ويعلم الله أننا نحرص على الأزهر جامعا وجامعة ، وندعوا لأن يستقل ماليا وإداريا عن الدولة وأن ينتخب شيخ الأزهر من هيئة كبار العلماء ، حينئذ يكون للأزهر الريادة والقيادة والاستقلال .
النظام يتعامل مع مواطنيه على أنهم جميعا عملاء ضد مصلحة النظام فنراه يتخبط ويخنق كل بصيص أمل في المستقبل .
في الجامعات يتم الإعلان عن فتح باب الترشيح لانتخابات الاتحادات الطلابية بعد أجازة عيد الفطر المبارك في يوم الخميس الساعة الخامسة مساء بعد انصراف الطلاب ويغلق باب الترشيح قبل التاسعة من صباح يوم السبت ، ليفاجأ الطلاب أن باب الترشيح قد أغلق ومن يتمكن من الترشيح بأي حيلة كان مصيره الشطب ، وتعمد إدارات الجامعات والكليات إلى إحالة الطلاب لمجالس تأديب صورية لتوقع بهم جزاءات الفصل والحرمان من دخول الامتحانات لمجرد أن الطلاب قد أقاموا حفلا لاستقبال الطلاب الجدد أو اعتصموا احتجاجا على شطب زملائهم من قوائم المرشحين ، والأدهى والأمر أن يتحالف حرس الجامعة وأمن الدولة مع بلطجية الحزب الوطني لضرب الطلاب المعتصمين بقنابل المولوتوف داخل حرم الجامعة (( جامعة عين شمس )) ويتم القبض على الأبرياء وإحالتهم على القضاء بتهم هم منها براء .
النظام يتوجس خيفة حتى من نفسه ، فتراه يجرى تمثيلية انتخابات داخلية للحزب الوطني فينقلب الحزب رأسا على عقب إلى فريقين متصارعين يرمى كل منهما الآخر بالفساد والمحسوبية ، وتحدث معارك بالأسلحة وكأنه في خضم معركة حربية ، ليجد نفسه في نهاية المطاف أسير الرشاوى التي دفعت من اجل فوز فريق على الآخر ، وتتحول المعركة إلى قمة الهرم مما يهدد بفشل سيناريو التوريث ذاته ، والغليان انتقل من الشارع إلى قمة الهرم ، والكل لا يعلم يقينا ما هو السيناريو القادم .
ويقع النظام في ورطة هو في غنى عنها حينما يتعامل بعنف مع بدو سيناء فيقتل منهم ويعتقل وتدور معارك واعتصامات وتهديدات بالانتقال عبر الحدود إلى داخل الكيان ((الاسرائيلى )) .
تارة يزيل النظام منازل للبدو على الحدود مع غزة بدعوى استخدامها أنفاقا لتهريب السلاح إلى القطاع ، وتارة يؤلب القبائل على بعضها فيخسر شرعيته وتشتعل المظاهرات ونحرق صور الرئيس في إشارة رمزية على رفض سياساته في التعامل مع المواطنين .
ويفشل النظام في التعامل مع العمال فتحدث إضرابات واعتصامات في مصانع الغزل والنسيج في المحلة الكبرى وكفر الدوار ، وإضرابات لعمال التليفونات في السويس ، واعتصام موظفي الضرائب العقارية لمساواتهم بزملائهم فى الضرائب العامة ، ويتحلل الوطن إلى أجزاء لا يربطها رابط وتختفي الدولة وتضعف القوة الأمنية المنهكة دوما عن السيطرة .

ويفشل النظام في ملف العراق وفلسطين والسودان ، فيترك العراق نهبا للأطماع الأمريكية وللنفوذ الإيراني وحتى التركي ، والعرب السنة تائهون لا دولة تناصرهم ولا تنادى بأحقيتهم في الممارسة السياسية أو الجهادية فيحتلون ذيل الاهتمامات ، ويشرع الاحتلال إلى تقسيمه دويلات مفتتة ، وتُحاصَر غزة وهى على الحدود مع مصر لصالح العدو الإسرائيلي والولايات المتحدة وطرف فلسطيني موهوم باع قضيته في أوسلو بأبخس الأثمان ويريد التوقيع والتنازل عن حق العودة والقدس والحدود ، ويترك السودان يتمزق في دارفور والجنوب والشرق .
وبات الأمن القومي المصري مهددا من الشرق والشمال والجنوب وكأن الأمر لا يعنينا .
النظام بات مشغولا بنفسه ، وبأمر التوريث الذي تسارعت وتيرته ، وإن راهن كثيرون على صعوبة التوريث إلا أن الكثيرين أيضا يراهنون على دور أمريكا في إتمام هذا الملف وإخراجه ليأتي الرئيس القادم موافقا للسياسة وللرؤى الأمريكية .
والشعب في ظل هذا الضباب يضطر إلى التأويل والتفسير وربما في الطريق الخطأ بحثا عن الصواب ، والحل هو أن تزول كل هذه الهيمنة الأمنية والبوليسية على الحياة العامة في الأحزاب والنقابات والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني والشفافية المطلقة لصالح الوطن .
ويظل السؤال مطروحا ، مستقبل مصر إلى أين ؟
هل يمكن أن تحدث انتخابات حرة ونزيهة تفرز مجلسا نيابيا وحكومة ورئيسا منتخبا بحق ؟ ومصر ليست أقل من تركيا ، أو المغرب أو الجزائر.
هل يمكن أن ينسحب البوليس والأمن ليؤدى دوره المنوط به دستوريا وهو حماية المواطن ؟ وحينئذ لا يخاف المواطن من الذهاب إلى قسم الشرطة ، ويأمن على نفسه من أن تطاله يد آثمة بسوء .
هل يمكن أن تسود روح العدالة والمساواة والحرية وتكافؤ الفرص والمواطنة ؟ حينئذ يحصل كل مواطن على حقه بالقانون .
مصر دولة إقليمية دورها وتأثيرها كبير وعميق لا يمكن أن تترك هكذا للمتآمرين أو نهبا لأطماع القوة الكبرى سياسيا وأمنيا .
مصر بعد الاستقلال تحتاج من جديد إلى استقلال سياسي واقتصادي وأمنى يكون الاعتبار فيه للمصلحة الوطنية العليا

No comments: