15.10.07

مؤتمر الخريف ووهم السلام المتبدد


مؤتمر الخريف ووهم السلام المتبدد

يهدف المؤتمر إلى تمزيق وحدة الشعب الفلسطيني عبر إبعاد حماس عن العملية السياسية وإبراز محمود عباس كممثل وحيد ومفاوض للشعب الفلسطيني





بقلم / محمد السيسى المحامى

مؤتمر الخداع، وهو مؤتمر أمريكي محض ستقرِّر (واشنطن) مَن الذي سيحضر ومَن الذي لن يحضر؛ عندما ألقى بوش الخطاب الذي دعا فيه إلى هذا المؤتمر جاءت عباراته وصياغاته تؤكد أنَّ إيران ليست مدعوَّةً، وسوريا وحماس مستبعدتان بأي شكل كان، إذن من الذي سيُدعى إلى هذا المؤتمر؟
ستُدعى أليه أطراف ما يسمى بالرباعية العربية ومحمود عباس وإيهود أولمرت، إذن ، ماذا يستطيع هذا المؤتمر أن ينجز سوى خداع العالم العربى؟!
يهدف المؤتمر إلى تمزيق وحدة الشعب الفلسطيني عبر إبعاد حماس عن العملية السياسية وإبراز محمود عباس كممثل وحيد ومفاوض للشعب الفلسطيني مقابل مجرد وعد كاذب بإقامة دولة فلسطينية بعد مفاوضات تستمر إلى قيام الساعة.

وينعقد المؤتمر فى الخريف فصل سقوط الأشجار لا إزهارها كتأكيد إلى أن المؤتمر لن يقدم شيئا إلى العرب والفلسطينيين بقدر ما يقدم إلى إسرائيل من إعادة التطبيع.
والكل يؤمن بأنه ما لم تغيِّر "إسرائيل" موقفها من القضايا النهائية، أي قضية القدس واللاجئين والأرض والحدود،والأسرى فلن تكون هناك إمكانية لأية تسوية.

وعندما سئل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن ذات مرة عن سر تقديره لإيهود أولمرت وكان أحد النواب القلائل الذين صوتوا ضد اتفاقية " كامب ديفيد "، فقال: يعجبني بشكل خاص خداعه ودهاؤه. وعلى ما يبدو فأن أولمرت دلل في الأيام الاخيرة على قدراته في هذين المجالين، من خلال تعاطيه مع لقاء القمة في أنابوليس. فمن ناحية يعلن التزامه " المطلق " بالعمل على إنجاح اللقاء، وعملياً يحرص على توفير كل ظروف التي تضمن افشاله .
أولمرت أجبر أبو مازن في لقائهما الأخير على الموافقة على صياغة وثيقة " فضفاضة " تتضمن خطوط عامة لحل الصراع دون تحديد مصير أي من القضايا الرئيسية التي تشكل التسوية الدائمة، مثل القدس واللاجئين والحدود والتجمعات الاستيطانية والأسرى. وحتى لا يكون هناك ثمة وهم لدى الجانب الفلسطيني، فقد أطلق أولمرت على هذه الوثيقة " إعلان نوايا غير ملزم "، في حين كانت وزيرة خارجيته تسيفي ليفني أكثر وضوحاً، عندما قالت أن هذه الوثيقة يجب أن تتضمن فقط " إعلان الطرفين إلتزامهما بحل الصراع بالوسائل السلمية !!".
ولذلك فقد قلل كل من ليفني وزيرة الخارجية "الإسرائيلية" وشمعون بيريز رئيس "إسرائيل" مما قد يسفر عنه المؤتمر من نتائج ودعت إلى عدم الإغراق فى التفاؤل عما ستقدمه إسرائيل للعرب ، فالمؤتمر ينعقد لبحث التنازلات العربية والفلسطينية المقدمة لإسرائيل.

ما تريده واشنطن من المؤتمر أكبر مما تحتمله الحكومات والشعوب العربية وما تقدمه ليس سوى الأوهام الكاذبة لحل القضية والتسوية النهائية.

واشنطن ، قررت أن هذه هي اللحظة المثالية التي تربط فيها بين فلسطين والعراق وإيران بضربة واحدة دون أن تخسر "إسرائيل" شيئًا ، ومقابل هذا الوهم يستمر الاستيطان والجدار العازل ويكف الحديث عن حق العودة بدعوى أن هذه الملفات رهن المفاوضات التى قد تستغرق كما قال أولمرت ثلاثة عقود قادمة .

عباس يسعى لتصفية حماس سياسيًّا :

عباس يلهث وراء تسويةً أيا كانت النتائج وليس لديه مانع من تصفية حماس، لكنه يريد تصفية حماس سياسيًّا، وليس عسكريا ربما لعدم تكرار فشله في غزة ، لكن ما هي الطريقة التي تستطيع بها الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال أن تقوِّي موقفَ عباس سياسيًّا في مواجهة حماس؟ هو أن تعطيه شيئًا من الفتات يمكِّنه من أن يقول للشعب الفلسطيني إنه هو الطرف الذي استطاع أن يحصل من "إسرائيل" والمجتمع الدولي على ما لم تستطع حماس الحصول عليه.

محمود عباس


وللأسف "إسرائيل" ليس لديها ما تقدمه لعباس؛ فكل هدفها تعميق التناقض بين حماس وفتح، وتريد من فتح أن تقوم أولاً بتصفية حماس عسكريًّا، ثم بعد ذلك تتعامل حكومة الاحتلال معها- فتح- على أساس وعود هلامية ، وعندما تفرغ من تصفية حماس عسكريًّا، لن تعطيها إلا ما سبق لباراك أن قدَّمه في قمة كامب ديفيد الثانية في خريف سنة 2000 وربما أقل من ذلك.
باراك صرح أنه لا يتوقع إحراز تسوية للصراع بسبب "ضعف أبو مازن ". وباراك لا يؤمن بأنه في ظل قيادة ابو مازن يمكن بلورة اتفاق مبادىء على نقاط الخلاف المركزية بين الطرفين: مستقبل القدس، الحدود واللاجئين الفلسطينيين. ويعتقد باراك انه في اللحظة التي تفشل فيها كل محاولات الحوار مع الفلسطينيين سيبدو الرهان على أبو مازن منقطع على الواقع، كما نقلت عنه صحيفة " يديعوت احرنوت ".
والصفقة التي قُدِّمت لعرفات في كامب ديفيد لم تكن كافيةً على الإطلاق، عرفات هو القادر على تمرير تسوية، ولو قُدِّم له حل يمكن أن يقبله لما تردَّد لحظةً واحدةً، وكون الإسرائيليين لم ينجحوا في إيجاد صفقة مع عرفات معناه أنهم لن ينجحوا في إيجاد صفقة مع أي طرف آخر؛ فعباس أضعف كثيرًا من عرفات، وأقل قدرةً على المناورة، وتاريخيًّا أضعف بكثير، فإذا قبل أقلَّ مما عُرِض على عرفات سنة 2000 فسوف ينتهي سياسيًّا، وبالتالي ستنتهي فتح، وسيزداد التعاطف الفلسطيني مع حماس وستصبح حماس أكثر قدرة على التوحد مع الشعب الفلسطينى والتعبير عن طموحاته.
لماذا أصر أولمرت على وثيقة "فضفاضة" قبل لقاء الخريف ؟
قام أولمرت بتسليم حركة " شاس " الدينية تعهد خطي بألا تتضمن الوثيقة المذكورة أي إشارة لمستقبل مدينة القدس!!!. والتزم أولمرت بتضمين الوثيقة " الفضفاضة "، بندين يجعلان من المستحيل التوصل لاتفاق مع الفلسطينيين في وقت من الأوقات. أولمرت قال أن الوثيقة ستتضمن التزام السلطة الفلسطينية بالوفاء بالمرحلة الأولى من خطة " خارطة الطريق "، والتي تنص على وجوب قيام السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية بتفكيك حركات المقاومة الفلسطينية - وعلى رأسها حماس - وجمع أسلحتها ووضع حد للتحريض على إسرائيل في مناهج التعليم ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية الفلسطينية. في نفس الوقت، فأن أولمرت يصر على أن تشير الوثيقة إلى رسالة الضمانات التي بعث بها في الرابع من حزيران من العام 2004 الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ارئيل شارون والتي تعهدت فيها الإدارة الأمريكية بتأييد موقف إسرائيل القاضي بعدم الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة للأراضي التي شردوا منها، وتبني الموقف الإسرائيلي الرافض للانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران للعام 67، وتأييد الموقف الإسرائيلي القاضي بضم التجمعات الاستيطانية اليهودية في الضفة الغربية لإسرائيل.
أفيغدور ليبرمان نائب رئيس الوزراء ووزير التحديات الاستراتيجية وزعيم حزب " إسرائيل بيتنا "، المتطرف التقى أولمرت وعرض عليه المبادئ العامة لحزبه التي تحظر أي انسحاب إسرائيلي من أي ارض فلسطينية محتلة، وشدد على مسامعه أنه من ليس المسموح له إبداء أي مرونة في كل ما يتعلق بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكما كان واضحاً فأن ليبرمان قام بتوبيخ أولمرت على مواصلته اللقاءات مع عباس وإعطاء المؤشرات على أن الأمور تتجه نحو انفراج سياسي

"إسرائيل" أقنعت أبو مازن أن الخطر المباشر على سلطته هو حماس وأنه غير قادر على تسوية قضية عمرها ستون عامًا، وعليه أن يقبل بما يقدم له من فتات لأنه لا يمتلك أية أوراق يضغط بها فسلطته شبه معدومة على الشعب الفلسطيني ويستمدها من مساعدات أمريكا وإسرائيل الأمنية والسياسية ، وأن أي سلام لا يمكن تحقيقه مع تهديد حماس لسلطته ، فليكن الهدف المشترك هو اقتلاع حماس من جذورها بمساعدة أمريكا وإسرائيل وحتى الدول العربية مصر والسعودية ، وهكذا يصبح ضرب حماس هدفًا "إسرائيليًّا" فلسطينيًّا عربيًّا يسبق السلام أو هو شرط لازم لإقامة السلام.
الاستعدادات للقاء " انابوليس "، تجري في ظل توجه إسرائيل لتكثيف عمليات القمع الموجه ضد الشعب الفلسطيني، لدرجة دفعت الصحافي الإسرائيلي تسفي برئيل للقول إن إسرائيل تستغل قرب انعقاد اللقاء لتبرير زيادة وتيرة قمعها ضد الشعب الفلسطيني. وأضاف " يبدو أن إسرائيل ترى أنه بسبب اللقاء الدولي فكل شيء أصبح مسموحا لها، فمن المسموح لها قتل الأطفال في غزة، ومن المسموح مواصلة إذلال الناس على الحواجز، ومن المسموح مواصلة خنق مليون ونصف إنسان في غزة ".
تشدد أولمرت من جهة وإصداره التعليمات لتكثيف القمع ضد الفلسطينيين، قلص هامش المناورة أمام أبو مازن وحركة فتح، حيث أن تواتر الأدلة على فشل لقاء " انابوليس " قبل أن يبدأ، حث الفصائل اليسارية التي أيدت " فتح " في صراعها مع حماس، على الاقتراب من الأخيرة والموافقة على المشاركة في المؤتمر الذي ستعقده الفصائل الفلسطينية في دمشق قبل بدء لقاء أنابوليس لرفض " أي تنازلات يمكن أن يقدمها أبو مازن ".
انتهاء القضية الفلسطينية :
طموح أمريكا و"إسرائيل" يهدف إلى الإعلان عن انتهاء القضية الفلسطينية ، والدخول مع العالم العربي فى مفاوضات الاعتراف وإقامة العلاقات الدبلوماسية والتطبيع الثقافي والاقتصادي والأمني مع "إسرائيل" .
ولقد أدركت السعودية ومصر تحديدا أن الانفجار الفلسطيني، وإسناد مهمة تصفية حماس إليها رغم رفض مصر لأية تلميحات إلى هذا الموضوع، حمل ثقيل لا تقدر عليه ولا يتفق مع مصالحها.


تفتيت العالم العربي:
تنفيذ مخطط حماية إسرائيل يمر عبر تفتيت العالم العربي حول إسرائيل ، وقد بدأت بالحديث عن تقسيم العراق طبقا لقرار مجلس الشيوخ الأمريكي وتأييد جلال طالباني للفيدرالية وترحيب الأكراد بها ، وتفتيت لبنان ، وتقسيم السودان بإثارة الأزمات فيه عبر تهديد الجنوب بالانفصال وإفشال اتفاقيات الوحدة ، وإثارة القلائل في دار فور ، وشرق السودان فى محاولات جادة وحثيثة لتقسيمه ، والحديث الآن عن مصر والسعودية ، وحتى فلسطين تقسم إلى غزة والضفة ، وحينئذ لا حديث عن قضية فلسطينية طالما العالم العربي أصبح مفتتا مقسما أكثر مما هو الآن .
وتدرك الدول العربية حكاما وشعوبا أنها ترتكب خطأً فادحًا إذا تساهلت في قبول نتائج المؤتمر الذي يهدف بالفعل إلى تفتيت العراق والدول العربية الأخرى، كالسودان ، والسعودية ومصر، واللتان تراقبان الجدل حول تقسيم العراق وخطوات تمزيق السودان وربما لبنان وفلسطين بقلق كبير؛ خوفًا أن تكون هذه بروفة لتقسيم بقية الدول العربية، وهذا هو سبب الغليان الذي تتسم به العلاقات الأمريكية مع مصر والسعودية بسبب هذا المؤتمر الدولي.

وإذا كان انعقاد المؤتمر لن يحقق للعرب أي فائدة، وأصر العرب على عدم تقديم أي تنازل "لإسرائيل" مهما كانت الضغوط الأمريكية، فإن ذلك معناه إحباط هائل عند شعوب المنطقة التي باتت لا تثق في أية طروحات أمريكية ، وازدياد العداء لأمريكا وإسرائيل ، والإيمان بأن لا حل للقضية الفلسطينية وكذا العراقية إلا بالجهاد والمقاومة لإخراج المحتل الغاصب ، ولا حل للشعوب إلا بإجبار الحكام على الرضوخ لمطالبها أو الخروج من السلطة ، والمعادلة الآن تضم قوى إسلامية ترى في نفسها الاستعداد لتحمل المسئولية ومواجهة ما خلفه الحكام من ركام مرير طوال العقود الماضية .


ومن نتائج المؤتمر أن يظل الاحتقان في الساحة الفلسطينية ؛ مما يعطي "إسرائيل" فرصةَ المزيد من تمزيق الأوراق الفلسطينية وإضعاف حماس، ودفع أبو مازن إلى التقارب مع "إسرائيل"، والمزيد من تطوير المشروع الصهيوني وتمزيق وحدة الشعب الفلسطيني ، عبر إشعال الفتن والمؤامرات وتقوية التيار الإنقلابى في فتح لوأد المقاومة والقضاء على حماس والجهاد ، وتتم تصفية القضية ذاتها دون حاجة إلى الحديث مع "إسرائيل"، فعامل الزمن لصالح "إسرائيل".

إضعاف الموقفين السوري واللبناني :
سوريا ولبنان كانتا ملفا واحدا في المفاوضات مما أعطى لموقفيهما قوة ، الآن بعد إحداث الوقيعة بينهما وتفجير الموقف اللبناني تجاه سوريا وإحداث تفجيرات وقتل هنا وهناك واتهام السوريين دوما بها جعل من العسير إن لم يكن مستحيلا الجمع بين الموقفين السوري واللبناني فى المفاوضات وباتت سوريا وحيدة في مواجهة أمريكا وإسرائيل بعد تخلى مصر والسعودية عنها ، وباتت رهينة الخلاف الإيراني الأمريكي .

No comments: